مارتن وولف
تدخل الحرب التي كان يفترض أن تكون سريعة في الشرق الأوسط شهرها الثامن الآن، فما الذي يمكن توقعه لاحقاً بدون انفراجة مؤكدة في الأفق؟ استنتاجي المبدئي هو أنه لا ينبغي أبداً التقليل من الغباء البشري أو البراعة البشرية.
وحتى الآن تبدو النتيجة متعادلة بينهما، لكن السؤال هو: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
في تحليل قاسٍ يصف جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو هذه الحرب بأنها «أم الأخطاء الاستراتيجية»، ويشير، من بين أمور أخرى، إلى أن أمريكا خاضت هذه الحرب معتمدة على القوة الجوية وحدها، وهو أسلوب لم ينجح يوماً، كما لم تضع أي خطة للتعامل مع المواقف الطارئة. يضاف إلى ذلك أنها فشلت في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية من الحرب، كما ألحق إغلاق مضيق هرمز أضراراً بالغة بالاقتصاد العالمي، وقد يتسبب في المزيد، فضلاً عن تضرر نظام التحالفات الأمريكية، وكل هذا لا يمثل سوى نحو نصف قائمة الاتهامات.
إن حجم الغباء لافت بالفعل رغم ذلك، هناك وجهة نظر مقابلة؛ فالحرب قد تكون خطأ استراتيجياً بالفعل، لكن الضرر الاقتصادي الناجم عنها كان بسيطاً على نحو مفاجئ، وكما أشار يوهانس أوربيلاينن من كلية جونس هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في أغسطس: «كان العديد من الخبراء يعتقدون في البداية أن هذا الانقطاع في الإمدادات سيرفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، ما سيؤدي إلى تضخم هائل وركود عالمي، لكن أسعار النفط بلغت ذروتها عند 126 دولاراً للبرميل في أبريل 2026»، واليوم لا يزال السعر الحقيقي للنفط الخام قريباً من متوسطه الممتد على المدى الطويل منذ عام 1972.
كيف حدث هذا رغم أن فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، صرح في مارس بأن هذه الأزمة تمثل «أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ»؟ البراعة البشرية هي الإجابة.
وأوضح أوربيلاينن أن: «أولاً، أدى التحول نحو الطاقة النظيفة إلى تقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط. ثانياً، أثبتت سلاسل الإمداد مرونتها وقدرتها على التكيف. ثالثاً، تحرك المنتجون خارج الشرق الأوسط بسرعة لإنتاج المزيد من النفط والغاز الطبيعي. وأخيراً، سد السحب من المخزونات النفطية العالمية الفجوة المتبقية».
وتتجلى هذه المرونة بوضوح في منطقة الخليج، إذ كتب الدبلوماسي السابق محمد السكري: «بحلول نهاية سبتمبر أشارت التقديرات الأولية إلى أن الصادرات الإقليمية من النفط الخام بلغت نحو 16.3 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ19.5 مليون برميل في فبراير، بما في ذلك نحو 9.7 ملايين برميل تمر عبر مضيق هرمز».
هذا إنجاز لافت، لكن ينبغي ألا ننسى أننا نستهلك المنتجات النفطية لا النفط الخام نفسه، ما أدى إلى ظهور نقص في بعض المنتجات، وأبرزها الديزل، ودفع هذا الوضع الرئيس دونالد ترامب إلى التفكير في خطة، تم التخلي عنها حالياً، لوقف الصادرات الأمريكية من الديزل، كما شهدت منتجات أخرى زيادات في الأسعار أعلى من النفط الخام، خصوصاً الغاز الطبيعي والكبريت.
ومع ذلك فإن الاضطراب في إمدادات النفط وأسعاره والاقتصاد العالمي بشكل عام كان قابلاً للإدارة والتكيف معه بشكل مفاجئ. وفيما يتعلق بالاقتصاد الكلي يعود هذا الاستقرار في جانب كبير منه، كما يوضح نورييل روبيني في «بروجيكت سينديكيت»، إلى طفرة الاستثمار الضخمة، التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، لكن ما يهم الصحة المستقبلية للاقتصاد العالمي ليس مستوى الاستثمار فحسب، بل معدل نموه، إلى جانب المساهمة الاقتصادية النهائية للذكاء الاصطناعي نفسه، ومن المؤكد أن الاستثمار سيبدأ في التباطؤ عند نقطة ما، أما بشأن المساهمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، أو سيناريوهاته الكارثية، فمن ذا الذي يستطيع الجزم بذلك؟
وهناك مصادر أخرى للهشاشة؛ أحدها، والتي ناقشتها الأسبوع الماضي، وهو مدى القدرة على إدارة الديون العالمية في وقت ترتفع فيه أسعار الفائدة؛ حيث تقع فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة في دائرة الخطر، وهناك خطر خاص يتهدد الدول التي يتشكل معظم دينها العام من ديون قصيرة الأجل؛ إذ تفتقر نتيجة لذلك إلى الحماية من تأثير ارتفاع التضخم على أسعار الفائدة.
يبدو أن أحد أكبر الأسئلة المطروحة هو: هل ستستمر المواجهة بين الغباء والبراعة؟ إذا استمرت فقد تظل صدمة الطاقة على الأقل تحت السيطرة، لكن هذا ليس أمراً مضموناً؛ فالوضع الحالي، خصوصاً السحب المتواصل من المخزونات، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، كما أن كبح الطلب المحلي في الصين قد لا يدوم أيضاً، وإذا توقفت هذه العوامل فقد تقفز أسعار الخام إلى مستويات أكثر إرباكاً.
السؤال الأكبر يتصل بالمسار نفسه: هل سيرى ترامب في انقضاء انتخابات منتصف المدة فرصة لإطلاق العنان لعدائيته؟ وباعتباره رئيساً منتهي الولاية، قد يرى أن الوقت مناسب لحسم الأمر، أم هل يستطيع الكونجرس بعد انتخابات منتصف المدة إيقاف هذه المساعي؟ أم أن ترامب قد يشعر بالملل من الأمر برمته ويترك العمليات العسكرية تتلاشى لتتحول إلى وقف إطلاق نار متوتر وغير رسمي على الأرجح؟
من مزايا المتسلطين أنهم يشعرون بالملل بسهولة شديدة، ولا أتخيل أن ترامب يجد الحرب مع إيران ممتعة بعد الآن، فكما قال ميرشايمر، لم يحقق ترامب أياً من أهدافه، وسيكون ترامب مدفوعاً بالتأكيد لإعلان النصر والمضي قدماً، وهو ما سيسعد الشعب الأمريكي، فهل تنتهي القصة بأكملها «لا بفرقعة مدوية، بل بأنين خافت»؟

