كايتي مارتن
كان الذكاء الاصطناعي في وقت من الأوقات أحدث الموضوعات الاستثمارية وأكثرها جاذبية، إذ بدا فرصة لامعة أمام مديري الأموال، كباراً وصغاراً، من الراغبين في توظيف رؤوس أموالهم في تكنولوجيا قادرة على إحداث تحول جذري في العالم.
ولا يزال الأمر كذلك إلى حد ما، إذا تجاوزنا التحذيرات من سيناريوهات نهاية العالم على يد الروبوتات، ووكلاء القرصنة «المتمردين» الذين يتسببون في أضرار متزايدة، حتى باتوا أقرب إلى خاصية متأصلة في هذه التكنولوجيا منهم إلى خلل عارض فيها، فضلاً عن المخاطر القانونية التي بدأت تحاصر مختبرات الذكاء الاصطناعي. ولم يعد التذرع بعبارة «عذراً، لقد تصرف وكلاؤنا على هذا النحو مرة أخرى» مقنعاً كما كان من قبل.
رغم كل ذلك، لا يمكن لأحد أن ينكر بصورة معقولة قدرة منظومة الذكاء الاصطناعي على تحقيق أرباح استثنائية لا تتكرر إلا مرة واحدة في جيل، بدءاً من الرقائق الإلكترونية وصولاً إلى مراكز البيانات. وهذا تحديداً ما يتقاضى المستثمرون المحترفون أجورهم لدراسته.
لكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً جديداً، ولم يعد مجرد أحد التوجهات الاستثمارية. فقد تحول إلى التوجه المهيمن على السوق، أشبه بكتلة هائلة خانقة تطبق على النظام المالي العالمي، وتحرم بقية القطاعات من الأوكسجين، وتشوه ردود فعل الأسواق، وتجعل كل محفظة استثمارية في كل مكان تعتمد، على نحو يثير القلق، على مصير رهان واحد. فالأسهم والعقارات والبنية التحتية والطاقة والأسواق الناشئة وبعض فئات الاستثمار في الملكية الخاصة، كلها أصبحت، إلى حد بعيد، أجزاء من الصفقة الاستثمارية نفسها.
واتضحت الهيمنة الهائلة لهذا التوجه على أسواق الأسهم العالمية بوضوح لافت هذا الأسبوع. فواصلت أسعار النفط التحرك قرب مستوى 100 دولار للبرميل، وعاد المتعاملون إلى التحذير من أن القيود اللوجستية في مضيق هرمز تفتح الباب أمام احتمال حقيقي لارتفاع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل. في الوقت نفسه، ظلت أسعار السندات عالقة في أسوأ ركود تشهده منذ عقود، فيما استقر عائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل عشر سنوات، وهو مقياس تكلفة الاقتراض الذي يعد أهم رقم في الأسواق العالمية، عند مستوى أعلى بكثير من 5 %.
وكان من المفترض عادة أن يؤدي أي من هذين العاملين، أو كلاهما بالتأكيد، إلى الضغط على أسواق الأسهم ودفعها إلى التراجع. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. بل سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للأسهم الأمريكية مستوى قياسياً جديداً، وكذلك مؤشر «ناسداك» الذي تطغى عليه أسهم التكنولوجيا. لقد اعتدنا جميعاً، إلى حد ما، التعايش مع التناقضات في الأسواق، لكن ما يحدث الآن غريب للغاية.
قد يبدو تقسيم المؤشرات بطرق غير مألوفة، وبما يخدم رواية معينة، نوعاً من التلاعب بالأرقام. لكننا نحتاج إلى القيام بذلك لفهم ما يحدث. صحيح أن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» سجل مستوى قياسياً، لكن إذا استبعدنا منه المكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، نجد أن بقية الأسهم تراجعت بنسبة 7 % منذ نهاية أغسطس. وتظهر صورة مشابهة عند النظر إلى المؤشر وفقاً لمنهجية الأوزان المتساوية، التي تحد التأثير المبالغ فيه للأسهم التكنولوجية العملاقة.
وليس التباين بين المؤشر التقليدي، الذي تهيمن عليه مجموعة صغيرة من الشركات الكبرى، ونظيره الذي يمنح الأسهم أوزاناً متساوية، أمراً جديداً. لكن الفجوة بينهما بلغت الآن أوسع مستوياتها منذ نحو 24 عاماً. فقد تراجعت أسعار ثلاثة أرباع الأسهم المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الشهر الماضي. وهذا يعني أن أسهم التكنولوجيا، إلى جانب أسهم الطاقة المرتبطة بالتوسع في بناء مراكز البيانات، هي التي تدفع السوق إلى الأمام فعلياً
ومن يهتم بذلك؟ كثيرون لا يكترثون ما دام المؤشر يواصل الصعود. لكن المشكلة أن المستثمرين المحترفين يواجهون صعوبة في تحديد كيفية تنويع محافظهم الاستثمارية بصورة سليمة، وكيفية حماية أنفسهم إذا سارت الأمور على نحو خاطئ، وهو جزء أساسي من مسؤوليتهم عند إدارة أموال الآخرين. ويشعر كثيرون بالقلق بعدما اكتشفوا أن محافظهم الاستثمارية تتحرك بدرجة عالية من الترابط، حتى بين فئات الأصول التي يفترض أنها متنوعة ومستقلة بعضها عن بعض.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن العالم كله قد وضع رهاناته على هذا التوجه. فقد تدفقت الأموال الأجنبية إلى الأصول المقومة بالدولار بوتيرة استثنائية على مدار العقد الماضي، وأصبحت هذه الاستثمارات على نحو متزايد غير محوطة ضد مخاطر تقلبات أسعار الصرف. بعبارة أخرى، أصبح ازدهار الذكاء الاصطناعي، بصورة تكاد تكون عرضية، دعامة رئيسية لا لسوق الأسهم الأمريكية فحسب، بل للدولار أيضاً.
ولا شك في أن أرباح الشركات الأمريكية تبرر هذا الحماس، ليس في قطاع التكنولوجيا وحده، بل في الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص. رغم ذلك، لا نزال جميعاً نفتقر إلى فهم واضح لما ستؤول إليه ثورة الذكاء الاصطناعي. وإلى حد ما، يخمن الجميع ما قد يحدث. لكن شركة «باين» للاستثمار في الملكية الخاصة أشارت في تقرير حديث إلى أن الإنفاق السنوي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول 2031. وهذا رقم استثنائي بكل المقاييس. لكن الأكثر إثارة للدهشة أن التقرير أضاف أن «الحفاظ على هذا المستوى من الاستثمار يتطلب أن يقترب حجم سوق الذكاء الاصطناعي من 6 تريليونات دولار سنوياً».
حقاً؟ هل يعقل أن تبلغ قيمة صناعة واحدة سنوياً مرة ونصف المرة إجمالي الناتج الاقتصادي السنوي للمملكة المتحدة؟ يصعب قبول هذه التقديرات أو الاطمئنان إلى مدى واقعيتها.
ويبدو أن صانعي السياسات أنفسهم لا يعرفون تماماً كيف يتعاملون مع هذه الظاهرة. فقد رأى كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن مكاسب الإنتاجية الناجمة عن استخدام الذكاء الاصطناعي ستؤدي، في وقت قصير نسبياً، إلى خفض التضخم. لكن مسؤولين آخرين في البنك المركزي، من بينهم ماري دالي وليزا كوك في تصريحات حديثة، عبروا عن وجهة نظر معاكسة، وهي أن التوسع في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يشكل خطراً يدفع التضخم إلى الارتفاع خلال الأشهر المقبلة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام سوق أسهم أمريكية تسير بسرعتين متباينتين، وتحظى باهتمام المستثمرين في مختلف أنحاء العالم، ويسيطر عليها موجة التوسع في الذكاء الاصطناعي، التي يكاد يكون من المستحيل عملياً التحوط ضد مخاطرها أو تجنب التعرض لها.
نحن لا نفهم حقاً التداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لهذه التكنولوجيا، بينما تبدو الافتراضات التجارية التي يقوم عليها هذا التوسع متفائلة إلى حد بعيد. رغم ذلك، فقد ربطنا جميعاً، عن قصد أو من دونه، مصائرنا المالية بفكرة أن الأمور ستسير على ما يرام في نهاية المطاف.
ومن الأفضل لنا أن تكون هذه الرهانات في محلها.
عالم تحكمه صفقة واحدة

