مأزق التوظيف بالذكاء الاصطناعي

بيليتا كلارك
في وقت سابق من العام الجاري، وفي ذروة موسم الصيف، وجدت شركة المحاماة الدولية «أدليشو جودارد» نفسها في مأزق صغير.
وكما أصبح مألوفاً في الآونة الأخيرة، اجتذب إعلان نشرته الشركة عن وظيفة تقنية في قسم الموارد البشرية سيلاً من طلبات التوظيف. فقبل عام واحد، كان من المعتاد أن يتلقى قسم الموارد البشرية نحو عشرين سيرة ذاتية فقط لشغل وظيفة مماثلة. غير أن أدوات الذكاء الاصطناعي جعلت عملية تقديم الطلبات أكثر سهولة وسرعة، ليبلغ عدد المتقدمين هذه المرة 178 مرشحاً.
تمثلت المشكلة في أنه كلما طال الوقت المستغرق في فرز هذه الطلبات، زاد احتمال عثور الكفاءات المتميزة على فرص عمل أخرى في شركات منافسة. وكحال العديد من المؤسسات، دأبت «أدليشو جودارد» على تشجيع مديريها على اختبار سبل تحسين عمليات العمل بأمان باستخدام الذكاء الاصطناعي. لذلك قرر قسم الموارد البشرية في الشركة إجراء تجربة لمعرفة مدى دقة وكفاءة الوكيل الذكي في تقييم طلبات التوظيف مقارنة بالبشر.
وبالفعل، تم إعداد وكيل ذكي باستخدام نظام «مايكروسوفت كوبايلوت» الداخلي للشركة، وتزويده بتفاصيل الوظيفة الشاغرة، والخبرات المطلوبة في أنظمة الموارد البشرية ولغات البرمجة، إضافة إلى الإلمام بالذكاء الاصطناعي نفسه. وبالفعل أنجز الوكيل الذكي مهمته بسرعة فائقة وقدم قائمة بما اعتبرها أبرز المرشحين للوظيفة.
في الوقت نفسه، أعد فريق العمل البشري قائمتهم الخاصة، حيث قام فريق الموارد البشرية في الشركة بفحص وفرز طلبات المتقدمين يدوياً وتقليصها إلى قائمة قصيرة تضم نحو اثني عشر مرشحاً، لكن للأسف لم تتطابق القائمتان.
فقد أبدى الوكيل الذكي إعجابه الشديد بالسير الذاتية البراقة لمرشحين ادعوا تحقيق إنجازات تقنية استثنائية في أوقات قياسية لدى أصحاب عمل سابقين، أو المشاركة في مشاريع ضخمة رغم أن خبراتهم كانت محدودة أو كانت أدوارهم هامشية. باختصار، كانت تلك الطلبات مثالية لدرجة يصعب تصديقها، وكان من الواضح أنها كتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت كاترين راثبون، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة «أدليشو جودارد»، أن فريقها وضع تفسيرات محتملة عدة لهذا السلوك.
وأحد الأسباب المتوقعة هو أن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح للمرشحين تخصيص سيرهم الذاتية بسهولة فائقة لتتطابق تماماً مع متطلبات الوظيفة المعلنة. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، إذ قالت راثبون: «من التفسيرات المحتملة أيضاً أنه نظراً لأن الكفاءة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي كانت بحد ذاتها أحد معايير الاختيار، فربما فسر الوكيل الذكي وجود مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد السيرة الذاتية على أنه دليل دامغ على جدارة المرشح».
وهناك احتمال آخر أكثر إزعاجاً، وهو أن الوكيل الذكي ربما فضل تلك السير الذاتية حصراً لأن الذكاء الاصطناعي ساهم في كتابتها.
وإن صح هذا التفسير، فإنه يؤكد نتائج ورقة بحثية لافتة للنظر حللت سلوك أدوات التوظيف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
فقد أجرى الباحثون محاكاة لعمليات توظيف واقعية لنحو 24 وظيفة متنوعة، شملت المعلمين والاستشاريين والطهاة والمهندسين. وخلصت الدراسة إلى أن المرشحين الذين استعانوا بنموذج اللغة الكبير نفسه الذي يستخدمه مسؤولو التوظيف زادت احتمالية إدراجهم في القوائم القصيرة بنسبة تتراوح بين 23 % و60 % مقارنة بالمرشحين الذين اعتمدوا على سير ذاتية أعدها بشر يعانون من وطأة المنافسة.
وقد بلغت هذه الأفضلية الممنوحة للذكاء الاصطناعي ذروتها في الوظائف الإدارية والتجارية مثل المبيعات والمحاسبة، في حين تراجعت في قطاعات أخرى مثل الزراعة وصناعة السيارات.
وما زالت هذه الورقة البحثية تخضع للمراجعة تمهيداً لنشرها في مجلة علمية محكمة، ما يعني أن بعض نتائجها قد تتغير. غير أن أحد مؤلفيها، جيانان شو، أكد أن التحليلات المحدثة تواصل تقديم أدلة تثبت أن نماذج الذكاء الاصطناعي «تميل إلى تفضيل نفسها».
وتعد هذه النتائج مقلقة في وقت يؤدي فيه الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى تأجيج سباق محموم وكئيب في سوق التوظيف؛ فعلى أحد الجانبين يقف الباحثون عن عمل وهم مقتنعون بأنهم يواجهون جداراً من أدوات التوظيف الصماء، فيردون باستخدام مكثف لطلبات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتدفق بغزارة لتغرق مسؤولي التوظيف.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي متحيزاً للذكاء الاصطناعي نفسه، فإن ذلك يُضيف بعداً جديداً ومقلقاً من المخاطر. وتخيل موقف مرشح يستخدم نوعاً مختلفاً من الذكاء الاصطناعي، أو لا يستخدمه نهائياً.
ولحسن الحظ، تشير دراسة شو إلى أنه يمكن تقليص هذا التحيز إلى النصف عبر استراتيجيتين بسيطتين نسبياً. الأولى هي توجيه النماذج بتجاهل مصدر السير الذاتية والتركيز حصراً على محتواها، بينما تقوم الثانية على استخدام نماذج تقييم مختلفة عدة لتخفيف تحيز أي أداة بمفردها.
وفي المقابل، سرني أن أعرف أنه في شركة «أدليشو جودارد»، وقع اختيار المرشح الناجح لشغل الوظيفة التقنية على يد فريق العمل البشري، ولم يكن هو المرشح الذي تصدر تصنيف الوكيل الذكي.
أما فيما يتعلق بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في عمليات التوظيف، فلا يزال المجال قيد التطوير والتجربة؛ فمن الواضح أن هذه الأدوات تنطوي على إمكانات واعدة إذا استخدمت بالشكل الصحيح، كما تؤكد راثبون، التي تضيف: «لكن التقدير البشري يظل عنصراً بالغ الأهمية».