رنا فوروهار
لا تحظى قضايا السياسة الخارجية عادة بالأولوية لدى ناخبي انتخابات منتصف الولاية الرئاسية في الولايات المتحدة، لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً. فبينما تتصدر تكاليف المعيشة والتضخم قائمة اهتمامات الأمريكيين.
تأتي الحرب في إيران في المرتبة الثالثة وفقاً لأحد الاستطلاعات الرئيسية، متقدمة على ملفات الرعاية الصحية والديون الفيدرالية المتفاقمة والهجرة. لقد ربط الناخبون بوضوح بين إخفاقات الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط والأسعار التي يدفعونها عند محطات الوقود.
ويشتد التضخم في قطاع الطاقة تحديداً في الولايات المتأرجحة الحاسمة مثل أيوا وألاسكا وتكساس ومين وأوهايو، حيث ينفق السكان نسبة عالية من دخلهم على البنزين وزيت التدفئة وفواتير الكهرباء.
ويتيح هذا الوضع فرصة كبيرة للديمقراطيين الذين يركزون على الربط بين الغلاء وحرب ترامب في إيران، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحدياً جديداً. فإذا شهدت انتخابات منتصف الولاية موجة ديمقراطية كبرى، أو وصل رئيس تقدمي للبيت الأبيض عام 2028، فكيف سيتعامل الديمقراطيون مع ملف السياسة الخارجية؟
هذا سؤال وجودي لليبراليين يمس التوجه العام للحزب الديمقراطي في مرحلة ما بعد حركة «ماجا» (MAGA). فالتقدميون ينتقدون بحق سياسات ترامب الجمركية غير المتسقة، والتخفيضات الضريبية لصالح الأثرياء والشركات، والحروب غير الرابحة؛ لكن حلولهم الخاصة تبقى أقل وضوحاً.
وهناك جدل مستمر حول ما إذا كان الحزب سيعود إلى الوسطية التي طبعت عهدي أوباما وكلينتون، أم سيسلك المسار الشعبوي اليساري الذي خطه جناح بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، الذي قد يحقق نجاحاً في انتخابات منتصف الولاية المتركزة على تكاليف المعيشة.
وفيما يتعلق بالتعامل مع العالم، يمثل هذا مفترق طرق بارزاً. فالسياسة الخارجية الأمريكية طالما كانت مشروعاً للنخبة؛ حيث تميل قياداتها إلى العولمة والمعرفة بالعالم، دون امتلاك القدرة على تسويق اتفاقيات التجارة الحرة وسياسات الهجرة والتحالفات الأمنية وتكاليفها للناخب المحلي.
وقد بدأت إدارة بايدن في ربط بعض هذه الخيوط من خلال نقاشات أولية حول «إعادة توطين الأنشطة في الدول الصديقة»، وهو المصطلح الذي استخدمته معي وزيرة الخزانة السابقة جانيت ييلين لأول مرة في فعالية للمجلس الأطلسي عام 2022، وتصريحات مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان في العام التالي بشأن نهاية «إجماع نيوليبرالي». لكن تاريخياً، تحريك مسار السياسات يحتاج إلى أكثر من إدارة واحدة.
ويدور حالياً خلف الأبواب المغلقة جدل قوي حول كيفية تفاعل الليبراليين مع العالم الخارجي. وهو جدل تشتد الحاجة إلى مخرجاته بعدما أصبحت السياسة الخارجية ركيزة لملفات محلية متعددة. فمصير أسواق السندات الأمريكية يعتمد على مدى استمرار الدائنين الأجانب في شراء أذون الخزانة.
وقدرة واشنطن على منافسة بكين في مجالات مثل السيارات الكهربائية تتوقف على تحالفات المعادن النادرة والمعايير وسلاسل التوريد المشتركة. كما أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الراغبة في دخول الأسواق الأوروبية يجب عليها التأقلم مع ضوابط بروكسل.
ومع تراجع عهد «الهيمنة الأمريكية»، سيكون على صانعي السياسات والناخبين الأمريكيين التفكير ملياً في العالم وكيفية التعامل معه، شأنهم شأن باقي الدول.
وتظل الصين المسألة المحورية كالعادة. ورغم أن بعض الديمقراطيين من التيار الوسطي يتوهمون إمكانية العودة إلى حقبة الألفينات وتجاهل عقد من السياسات الجمركية المشددة، فإن استطلاعات الرأي تظهر أنه رغم تراجع حدة المواقف قليلاً في الآونة الأخيرة.
فإن نسبة الأمريكيين الذين لا يثقون ببكين تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عشرين عاماً، وبلغت 71% في مارس 2026 مقابل 35% في مارس 2005، وفقاً لمعهد بيو. وقد ينتهي المطاف بأن يكون ترامب الرئيس الأقل تشدداً تجاه الصين في عصرنا الحالي.
رغم ذلك، يدرك الديمقراطيون والجمهوريون المستنيرون أن أمريكا لا تستطيع العمل بمفردها. فقد كتب المسؤولان السابقان في إدارة بايدن، كورت كامبل ورش دوشي، مقالات تؤكد قدرة أي إدارة ديمقراطية مستقبلية على بناء تحالفات جديدة في عالم ما بعد النيوليبرالية مع الحلفاء القدامى.
ودعا كل منهما لإنشاء دبلوماسية صناعية وتكنولوجية عبر إقامة سلاسل توريد وطاقات مشتركة في القطاعات الرئيسية مثل السيارات الكهربائية مع حلفاء واشنطن؛ الاتحاد الأوروبي، وكندا، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، واليابان.
وفي ظل مطالبة فرنسا وألمانيا بتحرك أوروبي أوسع ضد الممارسات التجارية الصينية غير العادلة، وسعي اليابان وكوريا ودول آسيوية أخرى لتشكيل تحالفات، تبدو اللحظة مواتية لإعادة التفكير في شكل النظام التجاري العالمي الجديد.
إن التركيز على الاقتصاد بدلاً من الثقافة في السياسة الخارجية توجه ذكي، خاصة في وقت يلقي فيه منافسون جمهوريون محافظون، مثل ماركو روبيو، خطابات حول «الروابط الحضارية» مع أوروبا. وهو خطاب ثقافي يتمحور حول الهوية الغربية ويتجاهل حقيقة اقتصادية صارخة، وهي أن الجانبين بحاجة للعمالة المهاجرة لدعم النمو.
ولكن التركيز على الاقتصاد سيفرض على الليبراليين اتخاذ قرارات صعبة بشأن قبول أموال كبار المتبرعين، مثل شركات التكنولوجيا الكبرى التي ستعارض بقوة التنظيمات الصارمة للذكاء الاصطناعي وهو أمر يفضله الناخبون.
ويجب على صانعي السياسات الديمقراطيين مقاومة تلك الضغوط؛ فالسياسة الخارجية لم تعد مجرد مشروع تحتكره النخبة، بل يجب أن تركز السياسات على معالجة المشكلات المشتركة للعمال في الداخل والخارج على حد سواء.

