روبرت أرمسترونج
قال دان إيفاسكين، كبير مسؤولي الاستثمار في «بيمكو» الأسبوع الماضي: إن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قد يبلغ 6 %. وهو محق إذا واصل الاقتصاد زخمه وزاد خروج صناديق التحوط من السوق. وهذا الرقم مرتفع، لكنه ليس مستبعداً في ظل المعطيات الحالية. وعلينا أن نتذكر المسافة التي قطعناها، فالعائد ارتفع من 1.5 % إلى 5.2 % خلال السنوات الخمس الماضية، ونحن على الأرجح أقرب إلى القمة منا إلى القاع.
تواصل الأسهم الأمريكية، من حيث المؤشرات، تسجيل قمم جديدة، لكن أسهم الذكاء الاصطناعي وحدها هي التي تصنع هذا الصعود، بينما تتراجع غالبية الأسهم الأخرى تحت وطأة الضغوط. وقد كتب عن ضيق السوق بما يكفي لإصابتكم بالملل. وفي مدونة نشرها مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية يوم السبت، ورد أن الاقتصاد «أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على فقاعة الذكاء الاصطناعي، مع مزاحمته لمعظم أشكال الاستثمار الأخرى».
فهل هذا صحيح؟ وهل الاقتصاد ضيق كالسوق؟ الجواب هو لا، لأن البيانات تظهر أن الأثر المباشر لطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على النمو الاقتصادي ملموس لكنه ليس كبيراً. ولأن أثر الثروة غير المباشر الناجم عن النشوة بالذكاء الاصطناعي في سوق الأسهم يسهم على الأرجح إسهاماً مهماً في نمو الاستهلاك.
ولنبدأ بالأثر المباشر. أرسل لي ستيفن براون من «كابيتال إيكونوميكس» رسماً بيانياً مبنياً على بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، يعرض نسبة القطاعات الاقتصادية التي شهدت نمواً في القيمة المضافة الحقيقية. وتبين أن حصة القطاعات التي تشهد توسعاً، والقطاعات التي تنمو أسرع من الناتج المحلي الإجمالي، تساوي تماماً المتوسط الطبيعي لآخر 20 عاماً. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي ليس محصوراً في مجال ضيق، بل هو نمو صحي وموزع بشكل طبيعي.
وعلى نهج براون، أجريت التحليل نفسه على نمو التوظيف في القطاعات الاقتصادية الـ13 الكبرى التي يرصدها مكتب إحصاءات العمل، فجاءت النتيجة مماثلة، عدد القطاعات التي يتوسع فيها التوظيف يطابق المتوسط طويل الأجل. والأهم أننا في دورة اتساع بدأت العام الماضي. كما أن معدل البطالة الذي يزيد قليلاً على 4 % لا ينسجم مع اقتصاد يعتمد كلياً على قطاع واحد، مهما بلغ حجمه وأهميته.
ولا يزال المستهلك، لا الذكاء الاصطناعي، هو المحرك الأكبر للاقتصاد الأمريكي. فقد أسهم الإنفاق الاستهلاكي الشخصي بـ2.5 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي في الربع الثاني، أي أكثر من 100 % من إجمالي النمو. وهذا يقارب ثلاثة أضعاف مساهمة الاستثمار الخاص كله. كما نمت مبيعات التجزئة الحقيقية 2.6 % في أغسطس، في مسار متسارع منذ بداية العام.
ويؤكد هذه الصورة بيانات آنية من أعمال بطاقات الخصم والائتمان لدى «بنك أوف أمريكا». فنحو 86 % من فئات الإنفاق تتوسع، والإنفاق ينمو بصورة جيدة لدى جميع شرائح الدخل، ما يقوض الرأي القائل إن الأثرياء أصحاب الأصول المالية الضخمة هم وحدهم من يدفع الاستهلاك الكلي إلى الأعلى.
وكما أشرت أخيراً، هناك إشارات سلبية كثيرة بشأن المستهلك في نتائج شركات التجزئة ومنتجي السلع الأساسية. ومن الصعب الجزم هل ترتبط هذه الإشارات بمشكلات في قطاعات معينة، أو عن اقتصاد «على شكل حرف K»، أو بقصور في دقة التقارير الحكومية. لكن الأرقام الإجمالية تقول بوضوح إن المستهلك ما زال المحرك الرئيس للاقتصاد.
أما البيانات المباشرة عن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وهي ناقصة، فتؤكد أنه ليس محركاً كبيراً للناتج المحلي. فقد أصدر مكتب الإحصاء الأمريكي الأسبوع الماضي تقرير الإنفاق على البناء لشهر سبتمبر، أوضح أن الإنفاق على إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يجري حالياً بمعدل سنوي قدره 85 مليار دولار، بزيادة 36 مليار دولار عن الفترة نفسها العام الماضي. وهو نمو سريع، لكنه لا يعادل سوى ربع نقطة مئوية تقريباً من الناتج المحلي، وأقل من 2 % من نمو الناتج.
ولا تمثل مراكز البيانات كل طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فهناك أيضاً الإنفاق على البرمجيات وتحديث الطاقة والبنية التحتية وغيرها. وفي تقدير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بلغت مساهمة الطفرة في نمو الناتج نحو 0.6 نقطة مئوية سنوياً في المتوسط، في العام المنتهي بالربع الأول. وهذا مهم، فهو ربما ربع النمو الإجمالي، لكنه ليس الفارق بين الاقتصاد الحالي والركود.
ومع ذلك، قد تزداد أهمية الذكاء الاصطناعي مستقبلاً. فإذا صحت تقديرات حديثة لستيجن فان نيوفربورغ من كلية كولومبيا للأعمال، فإن الخطط الحالية قد ترفع إجمالي الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى 10.3 تريليونات دولار بين 2025 و2032، أي ما يعادل نحو 3.6 % من الناتج المحلي سنوياً، وهو أكبر من طفرة السكك الحديدية. لكن لا يعني ذلك أن مساهمته في الناتج ستبلغ 3.6 %، لأن جزءاً كبيراً من الاستثمار يذهب إلى رقائق ومعدات مستوردة، وستخصم كلفتها في معادلة حساب الناتج المحلي.
أما الأثر غير المباشر الحاسم في النمو فهو أثر الثروة. فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي» أواخر 2022، ارتفعت حيازات الأسر الأمريكية من الأسهم وأصول معاشات الاشتراكات المحددة بمقدار 34 تريليون دولار، بحسب حسابات الاحتياطي الفيدرالي، الذي يقدر حصة الأسهم الآن بـ33 % من إجمالي أصول الأسر، وهي أعلى نسبة على الإطلاق، فقد كانت 27 % قبل انفجار فقاعة الدوت كوم.
ولا شك أن ذلك يدعم، بدرجة ما قوة الإنفاق الاستهلاكي المذكورة آنفاً. ويقدر نموذج لسيكستين بيغو وأوريليان إسبيك من بنك فرنسا أن أثر الثروة يفسر نحو 40 % من نمو الاستهلاك الأمريكي في 2025. وإن صح ذلك، فغياب هذا الأثر وحده لن يدفع الولايات المتحدة إلى الركود، أما انعكاسه بأن تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي فقد يفعل. وبهذا المعنى المحدود، يعتمد الاقتصاد الأمريكي على الذكاء الاصطناعي، لكن على نشوته لا على الاستثمار فيه.

