سوق الذهب في لندن يستفيد من «تأثير ترامب»

جون جابر

عندما أعلن البنك المركزي الهولندي الشهر الماضي نقل أكثر من 78 طناً من الذهب من نيويورك إلى لندن كان صريحاً بشكل غير معتاد بشأن دوافعه، فإلى جانب أن الذهب المخزن في أقبية بنك إنجلترا سيكون متاحاً في أوي وقت خلال الأزمات فإنه بنقله إلى هناك يصبح أيضاً جزءاً من «الذهب الأكثر سهولة في التداول على مستوى العالم»، ولم تكن لندن تتمنى شهادة أفضل من هذه في منافستها التاريخية مع نيويورك، حيث يتم تداول معظم عقود الذهب الآجلة.

ولا يقتصر تقدير «حي المال» في لندن على هولندا فحسب؛ فقد شهد مخزون الذهب المحفوظ في أقبية لندن ارتفاعاً مطرداً خلال 2025، ليصل الشهر الماضي إلى نحو 10 آلاف طن، بقيمة تبلغ 1.3 تريليون دولار.

وتعمل البنوك المركزية منذ فترة على شراء الذهب في إطار تنويع احتياطياتها بعيداً عن السندات الحكومية الأمريكية، ويرجع الذهب إلى لندن، رغم أن البنوك وصناديق التحوط نقلت سبائكها إلى نيويورك في العام الماضي، وسط مخاوف من فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية على استيراد المعدن.

ويستفيد سوق الذهب في لندن حالياً مما يعرف بـ«تأثير ترامب»، فالرئيس الأمريكي يبدي اهتماماً بالذهب، لكنه في الوقت نفسه يتبنى نهجاً اقتصادياً غير متوقع، وهو أمر تراه البنوك المركزية أمراً غير مرغوب فيه إطلاقاً، فهي تتوخى الحذر الشديد فيما يتعلق بسلامة احتياطياتها من الذهب، وقد اتجهت دول عديدة لتقريب سبائكها الذهبية من أراضيها، خصوصاً بعد تجميد الأصول السيادية الروسية عقب اندلاع الصراع في أوكرانيا عام 2022.

ورغم أن فنزويلا تقترب من إبرام اتفاق لنقل احتياطياتها من الذهب، البالغة قيمتها 4 مليارات دولار، من لندن إلى نيويورك، إلا أن الخطوة الهولندية تندرج ضمن توجه أوسع للاحتفاظ بمزيد من الذهب خارج أمريكا. على سبيل المثال يحتفظ البنك المركزي الألماني «بوندسبنك» بنحو ثلث احتياطياته من الذهب فقط في نيويورك، ويؤكد رئيسه يواخيم ناجل أنه «لا يساوره أدنى شك» بشأن سلامة هذا الذهب، رغم وجود دعوات داخل ألمانيا تطالب بإعادته إلى الوطن.

وتظل نيويورك المركز المالي الرائد لمشتقات الذهب، بفضل تداول العقود الآجلة في بورصة «كومكس» (Comex) ووجود 6300 طن من المعدن النفيس بخزائن «الفيدرالي» في نيويورك، ورغم الجاذبية الكبيرة التي تتمتع بها أسواق الأسهم الأمريكية لا توجد مؤشرات تذكر على تراجع هيمنة لندن على التداول الفعلي للذهب.

إن سجل بنك إنجلترا كونه أميناً موثوقاً يجعل لندن وجهة طبيعية، ولا يقتصر دور حي المال في لندن على الحفظ والتأمين فحسب، إذ يمكن تداول الذهب أو إقراضه في سوق السبائك هناك دون الحاجة إلى إخراجه من الخزائن، ما يتيح للبنوك المركزية تحقيق عائد على أصولها.

وهنا يكمن سر هيمنة لندن العالمية على تداولات الذهب «خارج البورصة»، فالذهب المحفوظ لدى بنك إنجلترا، أو في خزائن بنوك السبائك في المملكة المتحدة، مثل «إتش إس بي سي» و«جي بي مورجان»، يمكن ببساطة تخزينه أو استخدامه في عمليات التداول، بل إن جزءاً من الذهب الذي يغطي صناديق الاستثمار المتداولة المدرجة في نيويورك محفوظ في لندن أيضاً.

ولا تعد عملية نقل الذهب بالأمر الهين؛ فنقل احتياطيات الذهب مباشرة إلى نيويورك يتطلب صهر سبائك الذهب المعتمدة في لندن (بوزن 12.5 كيلو جراماً) في مصاف بمدينة زيوريخ، ثم إعادة تشكيلها وفقاً للمعايير الأمريكية. ويقول أدريان آش، مدير الأبحاث في منصة «بوليون فولت» الإلكترونية لتداول السبائك: «تبدو هيمنة لندن على التداول الفعلي للذهب راسخة تماماً».

رغم ذلك تتصاعد المنافسة عالمياً؛ فقد أدى ارتفاع أسعار السبائك، نتيجة ارتفاع عمليات شراء البنوك المركزية وحالة عدم الاستقرار السياسي، إلى استعادة الذهب لأهميته التاريخية، ولم يعد امتلاك سبائك الذهب ينظر إليه باستخفاف باعتباره هوساً غريباً يقتصر على «عشاق الذهب»؛ ما دفع مراكز مالية أخرى، خصوصاً في آسيا، إلى السعي لتعزيز مكانتها في مخزونات المعدن الأصفر.

وفي هذا السياق تعتزم سنغافورة إطلاق نظام مقاصة مصرفي للذهب هذا العام، لتتنافس مع هونج كونج في جذب المزيد من عمليات التداول، وإن كانت تنفي رغبتها في إزاحة لندن عن مكانتها. من جانبها تحاول لندن مجدداً المنافسة في سوق المشتقات؛ حيث أطلقت بورصة «إنتركونتيننتال» عقداً آجلاً جديداً للذهب، أما صعود الأصول الرقمية، مثل «الذهب المرمز» (gold tokens)، فيظل عاملاً يكتنفه الغموض على المدى البعيد، ولا تزال هذه الأصول بحاجة إلى غطاء من الذهب المحفوظ في مكان ما. على سبيل المثال تمتلك منصة العملات المشفرة «تيثر» 22 طناً من الذهب في سويسرا لدعم عملتها الرقمية المرتبطة بالذهب، إلا أن الأصول الرقمية لا تتطلب الاستعانة بالبنية التحتية المصرفية الكاملة لسوق الذهب في لندن في عمليات التداول والمقاصة.

رغم ذلك تظل لندن تمثل المعيار الذهبي لتداول الذهب الفعلي، بل إن مكانتها تزداد قوة حالياً على الأقل؛ وهو ما تؤكده الأكوام المتزايدة من سبائك الذهب داخل خزائن لندن.