ستيوارت كيرك
قبل عقد من الزمان، كنت أتقاضى دخلاً مرتفعاً، وكنت أدفع إيجاراً يعادل أربعة أمثال ما أدفعه اليوم. وكان جارنا من أحد جانبي المنزل، هو الراحل بول ألين، الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»، فيما كانت عائلة بيكهام تقطن في الجهة المقابلة من الشارع.
وعلى عكس جيراننا، كان المبنى الذي نسكن فيه مقسماً لشقق صغيرة، كما كنا نسكن الطابق السفلي. فكيف كنت أبرر لنفسي دفع ذلك الإيجار؟ كان مما يخفف عني، تبادل الحديث عبر السور مع الليدي جلينكونر عن الحفلات التي كانت تقيمها في جزيرتها «موستيك» خلال ستينيات القرن الماضي.
إلا أنني كنت أعتمد، في المقام الأول، على واحدة من أبسط قواعد التقييم الاستثماري، وهو أن أسأل نفسي أي الرقمين أقرب للخطأ. في حالتي، قسمت الإيجار السنوي على سعر بيع عقار مماثل في الشارع نفسه، فوجدت أن العائد يقل عن 1 %.
وكان معدل الفائدة الخالي من المخاطر آنذاك يعادل نحو ضعف تلك النسبة. وهذا يعني أحد أمرين، إما أن أسعار المنازل في المنطقة مبالغ فيها إلى حد الجنون. أو أن الإيجار أقل مما ينبغي بكثير. وكان انطباعي يميل نحو الاحتمال الأول.
لماذا لم أكن أعتقد أن الرقم الخاطئ هو الإيجار؟ لأنه بقلب المعادلة رأساً على عقب، لم تكن هناك أي طريقة على وجه الأرض تمكنني من شراء شقة مماثلة.
وتبين لاحقاً صحة تقديري. فعند تعديل مؤشر «سافيلس» للعقارات الفاخرة في لندن لمراعاة التضخم، اتضح أن أسعار المنازل الفاخرة انخفضت بأكثر من النصف مقارنة بمستوياتها خلال السنوات التي كان فيها أقارب زوجتي السابقة يطاردون ديفيد وفيكتوريا بيكهام على الأرصفة.
وسؤال «أي الرقمين خاطئ؟» يعد مفيداً للغاية لتقييم الأصول التي تدر دخلاً، كالأسهم. خذ مثلاً سهماً يبلغ عائد توزيعات أرباحه 8 %. هل يعني ذلك أنه أرخص مما ينبغي، أم أن سعره يعكس قيمته الحقيقية، وأن توزيعات أرباحه ستتعرض للتخفيض قريباً؟
بالمثل، فإن تفاؤلي بشأن سوق الأسهم الحالي ينبع من اعتقادي أن مستوياتها مبررة. بعبارة أخرى، أنا أراهن على أن مضاعفات الربحية خاطئة لأن مقوماتها الأساسية في المقام ستنمو أسرع من المتوقع.
ويمكن تطبيق المنهج نفسه عند المقارنة بين أسهم الشركة وديونها. وشركة «كور ويف» مثال جيد على ذلك. فالمساهمون فيها، حتى الأسبوع الجاري على الأرجح، يرونها شركة ذات جودة عالية وآفاق واعدة، بينما يتم تداول سنداتها كما لو كانت أوراقاً مالية عالية المخاطر.
فمن منهما على صواب، المساهمون أم حملة السندات؟ الأمر متروك لتقدير المستثمر. وينطبق السؤال نفسه على عوائد السندات السيادية؛ إذ تزيد عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات حالياً بنحو 40 نقطة أساس على عوائد السندات الألمانية، مقارنة بالسندات اليونانية. فهل الفارق منطقي؟ لا أملك صراحة فكرة، كما لا أثق بالحكومتين فيما يتعلق بمدخرات تقاعدي، خصوصاً إذا كان الأفق الزمني يمتد لعقد كامل.
وتكون هذه اللعبة تكون أسهل عند ممارستها مع العقود الآجلة، التي تمنح خيارين سعريين للأصل نفسه. إلا أن فئة الأصول التي جنيت منها أكبر قدر من المال عبر سؤال «أي الرقمين خاطئ» كانت العملات. لأن كل عملة تستمد قيمتها مقارنة بأخرى، ثم تقاس قيمة الثانية بثالثة، وهكذا في سلسلة من أسعار الصرف المتقاطعة.
ولتبسيط المسألة، أكتفي غالباً بسؤال نفسي: هل الجنيه الاسترليني، مثلاً، يتيح شراء كمية أكبر من السلع والخدمات في بريطانيا مما يتيحه الدولار لشراء السلع والخدمات نفسها في كندا؟ إذا كان الأمر كذلك، أشتري الجنيه الاسترليني.
ولا تنجح استراتيجيات تداول العملات القائمة على تعادل القوة الشرائية كل مرة، فلا توجد أداة تقييم تصيب على الدوام. لكن الأهم هو ألا نقارن رقمين لا تصح المقارنة بينهما أصلاً. ومن الأمثلة الشائعة مقارنة عائد توزيعات أرباح الأسهم في سوق معينة بعوائد السندات.
وهذا يختلف تماماً عن المقارنة بين أسهم شركة وديونها، كما في المثال السابق، لأن المساهمين والدائنين يعتمدان على التدفقات النقدية التي تولدها الشركة نفسها.
كما كتبت مراراً أنه لا يصح مقارنة عائد توزيعات أرباح الأسهم بكوبونات السندات. فأرباح الشركات المستمدة من صافي الأرباح، تتحرك مع التضخم، بينما تظل مدفوعات الفائدة على السندات التقليدية ثابتة في العادة. لذلك لا توجد علاقة طويلة الأجل ثابتة تربط العائدين.
وثمة عادة أسوأ لدى المستثمرين في الأصول التي لا تدر دخلاً. وفي الواقع، فإن أحد الأسباب التي تجعلني أحجم عن الاستثمار في الذهب والبتكوين هو أنني لا أستطيع إخضاعهما لاختبار «أي الرقمين خاطئ؟».
فلا توجد قيمة أساسية يمكن الاستناد إليها للحكم على السعر، ما يفسر اللجوء إلى مقارنات عبثية مع أصول أخرى، كقياس سعر الفضة بمتوسط أسعار المنازل، أو تسعير عملات الإيثريوم بمكيال من القمح.
وهذا كله هراء. فعندما لا يدر الأصل دخلاً، يصبح السعر الذي يرغب شخص آخر في دفعه هو العامل الحاسم في تحديد القيمة. أما بناء نموذج للتنبؤ بما سيكون عليه ذلك السعر بعد سنوات، فهو أقرب إلى التخمين منه إلى تقييم منضبط.
ولحسن الحظ، لا يبدو أن أحداً يحاول عناء القيام بذلك في معرض «فريز لندن» للفنون هذا الأسبوع، حيث قيل لي إن المبيعات تسير بقوة. فالحقيقة أن تقييم معظم ما يسمى بالأصول البديلة يكاد يكون مستحيلاً، سواء تعلق الأمر بلوحات المدرسة الانطباعية، أم غيتارات «فيندر»، أم سيارات «بورشه» الكلاسيكية، أم ساعات «رولكس». وللمفارقة فإن كثيراً من هذه الأصول كان من بين أفضل الاستثمارات أداءً خلال العقود القليلة الماضية.

