جوش زوفر
المساعد الخاص للرئيس الأسبق جو بايدن للسياسة الاقتصادية
تبدو البنود المتعلقة بمراكز البيانات في مشروع قانون التصاريح المطروح أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، المعروف باسم «قانون القدرة على تحمل التكاليف وفرص العمل الأمريكي» (BAAJA)، الذي يحظى بدعم الحزبين، أشبه باختبار «رورشاخ» للإسقاط النفسي، الذي تختلف تفسيراته بحسب من ينظر إليه. فبينما يرى البعض أن بنود القانون شديدة القسوة، يعتبرها آخرون هدية مجانية لمراكز البيانات.
وها هي الحقائق، سيفرض مشروع القانون على مراكز البيانات رسوماً مقابل استخدام البنية التحتية القائمة لنقل الكهرباء، والتكاليف الإضافية اللازمة لاحتياجاتها الأخرى، مع ضمان عدم نقل تكاليف الطاقة التي تستهلكها إلى المستهلكين الآخرين. كما يتيح للولايات الأمريكية فرض رسوم إضافية على مراكز البيانات مقابل استهلاك الطاقة، وتحويل تلك الإيرادات لصالح المشتركين الآخرين في شكل وفر مالي. ويقر مشروع القانون بحقيقة بالغة الأهمية، وهو أن إنشاء مراكز البيانات يصب في مصلحة الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي على المدى البعيد، بشرط أن يتم ذلك وفق أطر تضمن تحقيق الفائدة للمجتمعات المستضيفة لها والحصول على دعمها.
ولقد سعى قانون خفض التضخم وغيره من التشريعات الحديثة لإحياء التصنيع الأمريكي في قطاعات التكنولوجيا الحيوية، والحد من مخاطر سلاسل الإمداد، وخلق فرص عمل محلية، من خلال مزيج من المنح والإعفاءات الضريبية لتقنيات مثل البطاريات والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية. وقد حققت هذه الجهود نجاحاً في مجالات عدة، رغم اضطرار الاستثمارات إلى مواجهة «قانون الجاذبية الاقتصادية»، فضلاً عن السياسة الصناعية التي تنتهجها بكين. فقبل احتساب الحوافز الفيدرالية، كانت تكلفة الألواح الشمسية المصنعة في أمريكا تعادل ثلاثة أمثال نظيرتها الصينية، فيما تزيد تكلفة البطاريات الأمريكية بنحو 45 %. وعلى نطاق أوسع، تواجه جهود التوسع في استخدام الطاقة النظيفة تحدياً. لأنه مع عدم وجود طلب جديد على الطاقة، فلا يوجد مبرر للاستثمار في محطات جديدة للطاقة النظيفة. وسيتم الاكتفاء بالمحطات القائمة إلى أن يحين موعد إخراجها من الخدمة. لأن الاستمرار في تشغيلها أرخص من بناء محطات جديدة أياً كان نوعها.
على النقيض، تؤازر الجاذبية الاقتصادية مراكز البيانات. إذ يتوقع معظم المحللين ضخ تريليونات الدولارات في الإنفاق الرأسمالي الموجه للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة. وفي عام 2025، استحوذت مراكز البيانات على 72 % من اتفاقيات شراء الطاقة النظيفة التي أبرمتها الشركات في الأمريكتين. وينطلق مشروع قانون (BAAJA)، بصواب، من فرضية أن مطوري مراكز البيانات لديهم القدرة على دفع تكاليف الطاقة التي يستهلكونها، وهو افتراض يظل قائماً حتى لو كانت معظم هذه الطاقة من مصادر نظيفة. لذا، فإن تبني نهج يوسع نطاق مكاسب «قانون خفض التضخم» سيكون أعمق أثراً لأنه يستند إلى رياح الطلب المسبق القوي.
وينطبق الأمر نفسه على مجالي التوظيف والتصنيع. فقد توصل بحث جديد أشرفت عليه في معهد «ستانفورد» لأبحاث السياسات الاقتصادية إلى أن بناء مراكز البيانات بوضعه الحالي يدعم أكثر من 300 ألف وظيفة في المراحل الأولى من سلسلة الإنتاج داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في المعدات الحيوية مثل المحولات وأنظمة الشبكات. ومن الممكن أن يرتفع هذا الرقم إذا زادت حصة الإنتاج المحلي لهذه المعدات، سواء من خلال تقديم حوافز ضريبية للمكونات المصنعة محلياً أو فرض تعريفات جمركية على نظيراتها المستوردة.
وقد يجد الساسة، الذين يتأثرون بحالة القلق الشعبي تجاه مراكز البيانات، أنه من الأسهل تجاهل هذه الفوائد. إلا أن ذلك سيعتبر خطأً كبيراً. فبناء مراكز البيانات على الأراضي الأمريكية يضعها تحت طائلة صانعي السياسات الأمريكيين، الذين يمكنهم استخدام السياسة الصناعية لدعم مصالح الشركات والعمال الأمريكيين أو تعزيز الطاقة النظيفة.
وهناك أيضاً اعتبارات جيوسياسية مهمة تدعم هذا التوجه. فالتفوق الأمريكي على الصين في الحوسبة المتقدمة يمثل ميزة استراتيجية بالغة الأهمية، وقد يتحول إلى ورقة ضغط حاسمة لدفع بكين للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي. ويرى البعض أن التنافس مع الصين على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر، من بينها هجمات إلكترونية تنفذها أنظمة ذات قدرات مستقلة، أو أوبئة ناجمة عن فيروسات مصنعة. وأتفق مع هذه المخاوف، لكنها لا ترتبط كثيراً بمسألة بناء مراكز البيانات من عدمه. فذلك يشبه محاولة الحد من الوفيات الناجمة عن حوادث المرور عبر إغلاق مصانع السيارات، بدلاً من وضع قواعد للسلامة المرورية وتصميم المركبات والطرق وفق معايير أكثر أماناً.
الولايات المتحدة تمتلك حالياً الأفضلية في مراكز البيانات، وهي البنية المادية التي تتيح تشغيل تقنية يتوقع أن تكون في صميم اقتصاد القرن الحادي والعشرين. والسؤال هو: هل نتخلى عن محرك النمو هذا، أم نسعى إلى إرساء توافق مجتمعي يتيح لنا تسخير إمكاناته لمصلحة البلاد ومواطنيها؟ مشروع قانون التصاريح، الذي جاء ثمرة عملية ديمقراطية لا تزال مستمرة، يمثل خطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف.
أمريكا تحتاج إلى عقد اجتماعي لمراكز البيانات

