مارتن ساندبو
عدنا إلى مرحلة من الدورة الجيوسياسية المتكررة التي يستعد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتخلي عن أوكرانيا مجدداً، ما يعيد إلى الأذهان محطات سابقة من أسوأ مراحل الأزمة. إلا أن هناك قضية أخرى تثير قلقاً خاصاً في أوروبا عادت إلى الواجهة أيضاً. إذ طرحت الولايات المتحدة فكرة تولي الإشراف على مئات المليارات من الدولارات من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة داخل الاتحاد الأوروبي.
وكانت أوروبا قد شهدت بالفعل نقاشات بشأن كيفية التصرف في هذه الأموال، التي تحتفظ بها مؤسسة «يوروكلير» البلجيكية، وهي جهة الإيداع المركزي للأوراق المالية، مع بدء التفكير في المرحلة التالية من تمويل أوكرانيا. وقد نجحت بلجيكا في إحباط المحاولة السابقة لاستخدام هذه الأصول، خشية أن تتحمل وحدها جميع المخاطر المترتبة على ذلك.
وقد رفض المستشار الألماني مساعي الولايات المتحدة للسيطرة على الأصول، قائلاً: «هذا شأننا، ونحن من يقرر بشأنه». وهذا هو الرد الصحيح، فالأصول المجمدة تمثل ورقة نفوذ استراتيجية مهمة للاتحاد الأوروبي. لكن أوروبا ليست في موقع يتيح لها التصدي بسهولة لضغوط أمريكية حازمة. فإذا كان ترامب يريد هذه الأموال حقاً، فمن المتوقع أن يلجأ إلى سيل من الابتزاز السياسي والمناورات القانونية والحملات الدعائية، بهدف شق الصف الأوروبي وإضعاف عزيمة دول الكتلة.
وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعطي الأولوية للمسائل الجوهرية. ويمكن تأجيل البت في كيفية توظيف الأصول لمصلحة أوكرانيا إلى وقت لاحق. أما الأمر العاجل فهو ترسيخ قدرة الاتحاد على اتخاذ هذا القرار، مع الحد من المخاطر المرتبطة به. والأهم من ذلك معالجة نقطة ضعف واضحة، فمصير «يوروكلير»، وهي مؤسسة بنية تحتية مالية بالغة الأهمية بحيث لا يمكن السماح بانهيارها، ومصير المالية العامة لدولة صغيرة في منطقة اليورو (بلجيكا)، أصبحا مرتبطين بمصير هذه الأصول.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التوضيح للقول إن عملية مالية تبلغ قيمتها تريليونات اليوروهات، وتشكل ركيزة أساسية لعمل الأسواق المالية، ينبغي ألا تظل عرضة لمخاطر قانونية وسمعة سلبية وضغوط سياسية خارجة عن سيطرتها.
ومن منظور الاحتراز المالي وحده، يجب على الاتحاد الأوروبي معالجة هذه المشكلة. فبصرف النظر تماماً عن حرب أوكرانيا، يتعلق الأمر هنا بالرقابة التنظيمية الرشيدة وإدارة المخاطر.
والحل المطلوب واضح من حيث المبدأ: نقل الأصول والالتزامات المرتبطة بروسيا من «يوروكلير» إلى كيان مستقل في دولة أقدر على تحمل أي مخاطر متبقية. وقد يبدو هذا إجراءً روتينياً، لكن الإجراءات الروتينية قد تكون تحديداً المجال الذي يتقن الاتحاد الأوروبي التعامل معه.
وعلى وجه الخصوص، يمنح قانون الاتحاد الأوروبي البنك المركزي الأوروبي صلاحية «تقييد أو الحد من أنشطة المؤسسات أو عملياتها أو شبكاتها، أو مطالبتها بالتخلي عن أنشطة تنطوي على مخاطر مفرطة تهدد سلامة المؤسسة»، وكذلك «إلزام المؤسسات بخفض المخاطر الكامنة في أنشطتها ومنتجاتها وأنظمتها».
بعبارة أخرى، يمكن للبنك المركزي الأوروبي أن يطلب من «يوروكلير» فصل الجزء المحفوف بالمخاطر من ميزانيتها العمومية ونقله إلى كيان مستقل. فإذا وضعت المطالبة الروسية والأموال النقدية المخصصة لتغطيتها داخل مصرف جديد لا يرتبط بالمؤسسة، أمكن عزل العمليات الحيوية لـ «يوروكلير»، والتي تعد ركيزة أساسية للسوق عن تلك المخاطر، ما سيحمي أيضاً المالية العامة البلجيكية. ولقطع هذه الروابط بالكامل، يمكن لتحالف من الدول الأعضاء الراغبة في المشاركة شراء المصرف الجديد من الشركة القابضة المالكة لـ «يوروكلير».
لن تؤدي إعادة الهيكلة هذه إلى تغيير المطالبة الروسية بالأصول أو حل مشكلات تمويل أوكرانيا، لكنها ستوسع هامش المناورة المتاح للاتحاد الأوروبي، وتزيل ثغرة كبيرة في منظومته الدفاعية إذا قررت الولايات المتحدة المضي قدماً في مساعيها للسيطرة على الأموال. والأهم من ذلك أنها ستحد من المخاطر التي يتعرض لها النظام المالي في منطقة اليورو.
إلا أن هناك عقبة تتمثل في أن البنك المركزي الأوروبي، الذي يتولى الإشراف المباشر على المؤسسات «ذات الأهمية»، وفقاً لحجمها أو امتداد أنشطتها عبر الحدود، وهي معايير تنطبق على «يوروكلير»، استند إلى نص قانوني يتيح الإبقاء على الإشراف على المستوى الوطني عندما تجعل «ظروف خاصة» نقل هذه المهمة إلى المستوى الأوروبي أمراً «غير ملائم». ونتيجة لذلك، لا يزال البنك المركزي البلجيكي هو الجهة المسؤولة عن الرقابة على المؤسسة.
وهذا تصرف غير مسؤول. فلا شك في أن الوضع ينطوي على مخاطر لا ينبغي أن تتحمل بلجيكا وحدها مسؤولية التعامل معها. ولم ينشر البنك المركزي الأوروبي الأسباب التي دفعته إلى رفض تولي الإشراف المباشر. لكنه أوضح لي أن الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة هو أن الجهات المشغلة للبنية التحتية للأسواق المالية تكون الرقابة عليها أفضل عندما يتولاها المنظم الوطني المتخصص.
وقد يكون هذا المنطق وجيهاً في معظم الحالات، لكنه أقل إقناعاً هنا، حيث تنبع المخاطر بوضوح من التزامات مصرفية مستحقة لروسيا.
رغم ذلك، لا ينبغي أن يمنع هذا البنك المركزي الأوروبي من التحرك. إذ يمكنه تولي الإشراف المباشر بنفسه، أو العمل بالتنسيق مع الجهة الرقابية الوطنية. فالمسألة لا تتعلق بالصلاحيات، بل بحسن التقدير والإرادة: هل يدرك البنك المركزي الأوروبي أن الوضع الراهن ينطوي على مخاطر، وهل يريد اتخاذ خطوات لمعالجتها؟
أصول روسيا المجمدة تهدد بلجيكا وعلى أوروبا التحرك

