تيج باريك
«كل ملياردير هو دليل على فشل السياسات الاقتصادية». يعكس هذا الشعار، الذي تتبناه شخصيات من التيار اليساري الشعبوي، بما في ذلك السياسيتان الأمريكيتان ألكسندرا أوكاسيو كورتيز، وبرني ساندرز، الاعتقاد بأن النظام الاقتصادي العادل ينبغي ألا يفرز أفراداً بحوزتهم ثروات تقدر بعشرة أرقام، رغم ذلك فإن هذا الحد الفاصل يبدو تعسفياً، كما أن توجيه الاتهامات الشاملة لكل المليارديرات يلحق ضرراً أكبر من النفع.
على سبيل المثال أدت العولمة، والتحول الرقمي، وسرعة وسائل النقل، والنمو السكاني إلى إعادة صياغة العمليات الحسابية لعملية خلق الثروة، فالشركات والأفراد الذين كانوا يخدمون في السابق ملايين البشر أصبح بمقدورهم اليوم الوصول إلى مليارات الأشخاص بضغطة زر واحدة، وتحقيق إيرادات وتقييمات وثروات ضخمة في غضون ذلك، لذا وبدل إدانة المليارديرات لمجرد بلوغهم صافي ثروة محدداً يجب أن ينصب التركيز على كيفية حصولهم على تلك الثروات؛ وهناك ثلاثة مسارات رئيسية لذلك.
المسار الأول هو الثروات التي تم جمعها من خلال المشروعات الإنتاجية، على سبيل المثال ترتبط ثروة رائد أعمال الطاقة المتجددة لي زينجوا، أو أوغور شاهين الشريك المؤسس لشركة «بيونتيك» (BioNTech)، بالابتكارات التي تعود بالنفع على العالم بأسره.
بالمثل، جمع كريستيانو رونالدو مليارات الدولارات، لأن قواعد جماهيره الغفيرة ترغب في مشاهدته يلعب، والمسار الثاني هو الثروات الموروثة، أما المسار الثالث فهو الثروات التي يتم الحصول عليها من خلال أنشطة «السعي للحصول على ريع»، مثل استغلال النفوذ في السوق أو الامتيازات السياسية.
ومعاملة جميع المليارديرات بالطريقة نفسها يهدد بصياغة سياسات تعاقب الذين تسهم مشروعاتهم في تحقيق الرخاء المجتمعي الأوسع، وهم أكثر عدداً مما قد يتصوره المنتقدون، فنحو 70 % من أصل 2,919 مليونيراً ومليارديراً عالمياً تتبعتهم بنوك «يو بي إس» (UBS) خلال السنة المالية حتى عام 2025 كانوا «صانعي أنفسهم»، أي أنهم عصاميون، حيث بنوا ثرواتهم أساساً من خلال تأسيس شركات، وامتلاكها، وتوسيع نطاقها لخلق أنواع جديدة من الطلب في الأسواق، بينما يعود الباقون إلى الثروات الموروثة، كما أن نسبة المليارديرات العصاميين قد ارتفعت بمرور الوقت، وبالطبع لا يعني كون الشخص عصامياً بالضرورة أنه كسب ثروته بنزاهة تامة. رغم ذلك فإن نحو 40 % فقط من إجمالي المليارديرات جمعوا ثرواتهم في قطاعات يكثر فيها تراكم الثروة الناتج عن امتلاك الموارد، أو العلاقات السياسية، أو المضاربات؛ مثل قطاعات التعدين، والعقارات، والتمويل، والعلاقات السياسية، والمضاربات، مثل التعدين، والعقارات، والقطاع المالي.
ويمكن معالجة المخاوف المشروعة المحيطة بالمليارديرات، بدءاً من النفوذ الاقتصادي والسياسي غير المتناسب، وصولاً إلى الامتيازات الموروثة والثروات المتراكمة من خلال الريوع بشكل مباشر.
وتعد القواعد الأكثر صرامة بشأن التبرعات السياسية، والتنفيذ القوي لقوانين مكافحة الاحتكار، وتقليص الامتيازات الممنوحة من الدولة، ووضع الضوابط ضد المنتجات الضارة محتملة، تدابير أكثر استهدافاً، كما يجب سد الثغرات الضريبية التي يستغلها الأثرياء لدفع معدلات ضريبية فعلية أقل مقارنة بالمواطنين العاديين؛ وتتضمن هذه الثغرات نظام «الأساس المرفوع» (stepped-up basis) في الولايات المتحدة، والذي يعيد احتساب قيمة الأصول الموروثة لتلائم قيمتها السوقية عند الوفاة، ما يتيح للأرباح الرأسمالية الإفلات من فرض ضرائب كبيرة جزئياً عبر استراتيجيات «الشراء، والاقتراض، والموت»، إضافة إلى هياكل الملكية الغامضة، والشركات الوهمية، والترتيبات المالية العبارة للحدود.
رغم ذلك يبدو الأمر لدى بعض النقاد ثانوياً في ما يتعلق بكيفية اكتساب ثروات المليارديرات، واستخدامها وإدارتها، مقارنة بحقيقة وجودها من الأساس، وغريزة المساواة تلك هي التي تدعم المقترحات الداعية إلى فرض ضرائب على الثروة. وسيصوت سكان كاليفورنيا على إجراء من هذا القبيل الشهر المقبل، والذي سيفرض ضريبة «لمرة واحدة» بنسبة 5 % على الأصول الخاضعة للضرائب للمليارديرات.
وغالباً ما يغض التركيز الضيق على الثروات الفردية النظر عن القيمة الاقتصادية الهائلة، التي يخلقها العديد من المليارديرات، بما في ذلك المنتجات والشركات وقوائم الأجور، والتي يسهم كل منها في تحقيق إيرادات ضريبية، فقد قدر الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، وليام نوردهاوس، أن المبتكرين لا يحصلون سوى على 2.2 % فقط من القيمة التي يقدمونها للمجتمع، ولنتأمل هنا شركات «أمازون»، و«أبل»، و«جوجل»؛ فقد أصبح مؤسسوها مليارديرات بتحويلهم أفكاراً ولدت داخل مرآب السيارات إلى مؤسسات توظف اليوم ما يقرب من مليوني شخص حول العالم، باستثناء سلاسل التوريد الخاصة بها.
في السياق نفسه يمكن لضرائب الثروة أن تدفع المليارديرات الحاليين إلى الانتقال لمكان آخر، وتثبط الابتكار والاستثمار المستقبليين، وتكشف أبحاث أجرتها ستيفاني ستانتشيفا من جامعة هارفارد أن جهود الابتكار شديدة الاستجابة للمعدلات الضريبية. ويقدر الاقتصادي بجامعة شيكاجو ستيفن كابلان أن مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس لم يكن ليثابر على خسائر الشركة في مراحلها الأولى، وانهيار فقاعة الإنترنت لو أدت ضريبة ثروة باهظة إلى تآكل حصته.
وفي الواقع فإن النصيب الأكبر من ثروات المليارديرات يتم استثماره في أسهم الشركات العامة والخاصة، ولا يوجد أي ضمان أيضاً بأن الحكومات ستنفق عائدات ضريبة الثروة بحكمة، في حين قد تشكل هذه الضريبة سوابق ضارة للسياسيين في المستقبل مع تغير الأولويات، لذا فإن الهجوم العشوائي على المليارديرات يواجه مخاطر إحداث أضرار جانبية جسيمة؛ فالكثير منهم مدينون بثرواتهم لمشروعات تدعم العمالة، والابتكار، ونمو الإنتاجية، ومن الأفضل معالجة الامتيازات، والثغرات، والتجاوزات التي تسمح باكتساب الثروات أو استغلالها بشكل غير عادل، بدلاً من تقويض المشروعات التي تصنعها؛ فتلك هي في النهاية حقيقة فشل السياسات.

