كم تبلغ تكلفة الانتماء إلى الطبقة الوسطى في بريطانيا؟

دوم ماكنزي

«يا للهول، ماذا حل بي؟»، هذه هي الصرخة المفعمة بالأسى، التي يطلقها العديد من أبطال الأفلام، وتأتي لحظة الإدراك التي تشبه الصاعقة، عندما تعود مديرة تنفيذية إلى مسقط رأسها لإغلاق آخر مصنع متبقٍ هناك، أو عندما يصيب عالماً الذهول عندما يتحول بالخطأ إلى ذبابة زرقاء.

أما لحظتي الخاصة فقد حلت عندما كنت أبسط معطف المطر المصنوع من قماش «باربور» في المطبخ بمنزلنا في الضاحية، ومع الشروع في إعادة طلاء المعطف بالشمع استعداداً لفصول الطقس الأكثر مطراً أدركت الحقيقة كاملة، في تلك اللحظة، ربما كنت الشخص الأكثر تمثيلاً للطبقة الوسطى في عموم بريطانيا.

وهنا في بريطانيا يستخدم اصطلاح «الطبقة الوسطى» بمعناه السلبي للدلالة على الأشياء الآمنة والتقليدية والمملة، ويقال، إن هذه المكانة تجلب معها أيضاً نفقات متصاعدة؛ إذ دأب كتاب مقالات نمط الحياة على الشكوى من التكلفة الفاحشة لزي المدارس التحضيرية.

وتبدو هذه المقالات غير دقيقة في نظري؛ لأنها غالباً ما تستند إلى حكايات من معارف مجهولين، مثل «إما، المديرة التنفيذية للعلاقات العامة»، وتتحدث عن صدمة أسعار بعض السلع الاستهلاكية الأساسية، لكن هل رأيتم تكلفة شمع إعادة تأهيل المعاطف هذه الأيام؟ كان هذا سبباً كافياً للتعمق في البيانات، للإجابة عن سؤالين: «كم تكلفة أن تنتمي إلى الطبقة الوسطى؟» و«هل ارتفعت هذه التكلفة؟».

لا تتطابق عبارة «الطبقة الوسطى» في بريطانيا تماماً مع منتصف نطاق الإنفاق، لكنها تشكل نقطة بداية مفيدة، ويحدد هذا المنتصف «مؤشر أسدا للإنفاق»، وهو سلسلة بيانات تقيس القدرة الشرائية التقديرية للأسر لصالح سلسلة المتاجر الكبرى، ويجمعها مركز البحوث الاقتصادية والتجارية «CEBR»، وهو شركة استشارية.

وقال سام ميلي، رئيس قسم التنبؤات في المركز: «تشير نماذجنا لتراجع القدرة الشرائية للشريحة الوسطى»، فقد عانت هذه الأسر انخفاضاً بنحو الربع خلال العقد الماضي، ولم يتبقَ لها سوى نحو 90 جنيهاً استرلينياً من السيولة النقدية أسبوعياً. في المقابل يمتلك الـ5 الأعلى من البريطانيين 10 أضعاف هذا المبلغ، بعد أن تجاوزت دخولهم معدلات التضخم.

ويحسب المركز أرقامه بخصم تكلفة سلة معيارية من السلع والخدمات «الأساسية» من الدخول، إذ اتبع منهجاً مشابهاً لتقدير ميزانيات ثلاث عائلات افتراضية، متفاوتة في قدرتها الشرائية وطموحاتها، عبر 24 فئة إنفاق تشمل السكن، والسيارات، والمعاشات التقاعدية، والتعليم الخاص.

الحالة الأساسية، بميزانية قدرها 56 ألف جنيه استرليني، تخص السيد والسيدة لوي، في منتصف الثلاثينيات من العمر، ويعيشان في منزل شبه منفصل من 3 غرف نوم في مانشستر. يعمل أحد الزوجين بدوام كامل، بينما يعمل الآخر نصف الأسبوع، ويتحمل العبء الأكبر من رعاية الأطفال، ويتسوقان من «تيسكو» و«نكست»، وقدّرتُ أن العائلة تستطيع العيش وإن لم يكن بارتياح تام، بميزانية سنوية قدرها 56 ألف جنيه استرليني، أي بدخل إجمالي قبل الضرائب يبلغ 72 ألفاً، مع مساهمة بنسبة 10 % في صندوق التقاعد من الموظف بدوام كامل.

أما الحالة المتوسطة، بميزانية قدرها 99 ألف جنيه استرليني، فتخص عائلة ميدلتون، التي لا تجمعها صلة قرابة بأميرة ويلز. وتقطن في منزل من 4 غرف نوم جنوب لندن، وتتسوق من «سينزبيري» للمواد الغذائية و«ماركس آند سبنسر» للملابس. ويدرس أحد طفليها بمنحة تخفض رسوم مدرسة خاصة، بينما يرتاد الآخر مدرسة ثانوية حكومية، ويبلغ كلا الوالدين منتصف الأربعينيات ويعملان بدوام كامل، ويحتاجان معاً إلى كسب إجمالي قدره 150 ألف جنيه استرليني سنوياً لتغطية الضرائب والمعاشات والإنفاق.

أما الحالة العليا، بميزانية قدرها 216 ألف جنيه استرليني، فتخص عائلة أبينجهام، التي تعيش حياة الأحلام، فهي تقطن منزلاً منفصلاً من 5 غرف نوم شمال لندن، وتمتلك كوخاً في كورنوال، وتتسوق من «ويتروس» ومتاجر الملابس الفاخرة، وتقضي عطلات الصيف في توسكانا، والشتاء في جبال الألب، ويلتحق طفلاها بمدارس نهارية خاصة.

واستغرقت وقتاً طويلاً في حساب هذه الميزانيات لأنها، كما يحدث في الواقع، تتضخم خارج نطاق السيطرة. حتى إنني فكرت جدياً في إعادة توطين قط عائلة لوي الوهمي لتوفير المال، لكن الأطفال الوهميين كانوا سيصابون بحرقة القلب.

ويرجع ارتفاع الدخل الإجمالي المفترض للأسر الثلاث نحو الشريحة العليا من توزيع الدخل في بريطانيا إلى أن متوسط الأسرة يضم 2.4 فرد، بينما تضم عائلاتي 4 أفراد، فضلاً عن تركيز التقديرات على لندن، حيث العقارات باهظة الثمن.

ولا يزال لزاماً علي الاستنتاج أن أولئك الكتاب المعنيين بأنماط الحياة على حق؛ فكون المرء من الطبقة الوسطى أصبح باهظ التكلفة لأسباب عديدة، فقد رفعت أسعار الفائدة تكلفة امتلاك المنازل الأكبر والسيارات الأفخر، والرسوم المدرسية نتيجة ما يسمى بسباق المرافق، كما ألقى أصحاب العمل بأعباء تقاعد جسيمة على عاتق الموظفين، ونقلت الدولة نفقات التعليم الجامعي للطلاب والعائلات، فيما يدفع التآكل الضريبي أصحاب الدخول الأعلى إلى شرائح ضريبية أعلى، لكنني لا أتعاطف مع أي تلميح إلى أن عائلات الطبقة الوسطى، مثل عائلتي، تستحق شفقة خاصة؛ فمركز البحوث الاقتصادية والتجارية يقدر متوسط الدخل المتاح للخمس الأدنى من البريطانيين بـ«سالب 75 جنيهاً استرلينياً» أسبوعياً، وهذا يعني أن هذه الأسر لا تستطيع تحمل تكلفة السلة «الأساسية» من السلع والخدمات، فتضطر إلى استبدالها بأخرى أرخص أو الاستغناء عنها كلياً، فإذا كنت تظن أن الانتماء إلى الطبقة الوسطى شاق حالياً، فجرب أن تكون فقيراً.