إيزابيلا ويبر
ارتفع التضخم في المملكة المتحدة إلى 3.5 % في سبتمبر، وهو أعلى مستوى له منذ نحو عام، مدفوعاً بقفزة في أسعار الطاقة. وتتوقع الأسواق أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في نوفمبر. ولكن المسألة لا تتعلق بما إذا كان ينبغي محاربة التضخم أم لا، بل في كيفية القيام بذلك. ولا تقتصر الإجابة على الاقتصاد وحده، بل تمتد لتشمل أيضاً الديمقراطية.
في عام 2022، قفزت الأسعار في السلع والخدمات الضرورية بشكل هائل. ووفقاً لمقياس تكاليف معيشة الأسر، الصادر عن مكتب الإحصاء الوطني، الذي يتتبع التضخم كما تشعر به الأسر فعلاً، بلغ التضخم ذروته عند 12.7 % في أكتوبر 2022، متجاوزاً معدل التضخم الرئيسي أو العام البالغ 11.1 %، ويحسب وفق سلة سلع وخدمات محددة. لكن وفقاً لحساباتي فقد ارتفعت تكلفة الضروريات، مثل السكن، والغذاء، والطاقة، ووقود النقل، والاتصالات، بنسبة 22.5 %.
إلا أن هذا العبء لا يتوزع بشكل متساوٍ عبر شرائح الدخل المختلفة. فبالنسبة للنصف الأقل دخلاً من الأسر، كانت الضروريات التي اشتروها خلال 2021-2022 تكلفهم 57 % من دخلهم، مرتفعة من 49 % في 2019-2020. في المقابل، لم ترتفع دخوله إلا بنسبة 2 % تقريباً خلال تلك الفترة.
لذلك، اضطروا لتقليص نفقاتهم، فاشتروا طعاماً أقل بنسبة 7 % تقريباً، وخفضوا فاتورة التدفئة. رغم ذلك، انتهى بهم المطاف لإنفاق حصة أكبر من دخلهم على الأساسيات. واستمر الناس في العمل. لكن الوعد، الذي يتداعى منذ سنوات، بأن العمل يوفر حياة كريمة وآمنة، أصبح أكثر هشاشة.
وهذا التراجع في الأمن الاقتصادي له عواقب سياسية، لأنه يمثل بيئة خصبة لنمو اليمين المتطرف. ففي ألمانيا، كان المستأجرون ذوي الدخل المنخفض الذين ارتفعت إيجاراتهم المحلية بمقدار يورو واحد لكل متر مربع أكثر عرضة بنسبة 4 نقاط مئوية لدعم حزب «بديل ألمانيا» اليميني المتطرف.
وأظهرت الأبحاث المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن الخوف من انعدام الأمن الاقتصادي بين الناخبين في الطبقة الوسطى كان دافعاً على التصويت لصالح الخروج من التكتل.
وفي بريطانيا، حصد حزب الإصلاح نسب تأييد من رقم واحد في ذروة صدمة الأسعار، ثم قفزت شعبيته مع بقاء ارتفاع الأسعار وتخلف الأجور عن اللحاق بها، وفشل حكومة السير كير ستارمر في معالجة أزمة تكلفة المعيشة.
ولا تستطيع أسعار الفائدة المرتفعة علاج التضخم في السلع الأساسية، فهي لا تنتج مزيداً من الطاقة ولا تجعل الغذاء في متناول اليد. والآلية الرئيسية لعملها هي كبح الطلب وتقليل التوظيف، وبالنسبة للأسر التي تعاني بالفعل وطأة تكاليف السلع الأساسية، فإن هذا يضيف هاجس فقدان الوظيفة إلى معاناتها في سداد الفواتير التي تتزايد قيمتها.
كما تؤدي زيادة أسعار الفائدة إلى رفع تكلفة السكن، بالتالي تتسبب في موجة ثانية من الضغط المالي. فنحو 85 % من القروض العقارية ثابتة، لكن في الغالب لمدة سنتين أو خمس سنوات فقط. وبعد عام 2022، ضربت أسعار الغذاء والطاقة المستأجرين من ذوي الدخل المنخفض بقسوة، ثم جاءت تكاليف الرهن العقاري لتضرب أصحاب المنازل من الطبقتين المتوسطة والعليا.
فضلاً عن ذلك، تؤدي الأسعار المرتفعة إلى حرمان الشباب من فرصة تملك المنازل، وترفع تكلفة استثمارات الطاقة المتجددة، التي من شأنها أن تجعلنا أقل عرضة لصدمات الوقود الأحفوري. كما تدفع تكاليف الاقتراض الحكومي نحو الصعود، ما يقلص هامش المناورة المتاح للتعامل مع الأزمات.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدرك صناع السياسات أن الأمن الاقتصادي والكرامة هما المفتاح لكي تصمد الديمقراطية في وجه الفاشية.
فقد حذر جون ماينارد كينز عام 1919 من أن الحرمان الاقتصادي يمر دون أن يلاحظه أحد تقريباً «إلى أن يصل الإنسان لأقصى حدود قدرته على التحمل». وحينها، يصبح الناس مستعدين للاستماع إلى «أي وعود بالأمل، أو أوهام، أو دعوات للانتقام».
وقد استوعب مهندسو النظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب هذا الدرس؛ إذ صاغ هارولد لاسكي البرنامج الانتخابي الذي قاد حزب العمال للفوز في عام 1945، مؤكداً ضرورة إخضاع السلع والخدمات الأساسية للرقابة العامة، كي لا يظل مصير المجتمع رهينة في أيدي حفنة من الشركات الخاصة. وبالمثل، كانت «الحرب على العوز» التي أطلقها ويليام بيفريدج بمثابة دفاع عن الديمقراطية نفسها.
نحن بحاجة اليوم إلى مجموعة أدوات لمكافحة التضخم، تعمل على استقرار أسعار السلع الأساسية، وتتيح لنا من خلال هذا الاستقرار، الوقت اللازم لمعالجة الأسباب الجذرية لأزمة تكاليف المعيشة.
وفي قطاع الطاقة هذا يعني ضمان أسعار محددة لمستوى أساسي من الاستهلاك، يتم تمويلها عبر فرض ضرائب على الأرباح الاستثنائية، بالتزامن مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة الأقل تكلفة.
أما في قطاع الإسكان، فيعني ذلك تجميد الإيجارات، وتنفيذ برنامج طموح لبناء مساكن عامة صديقة للبيئة.
وهناك إشارات مبكرة تدل على أن هذا النهج يلقى صدى لدى الناخبين. ففي مؤتمر حزب العمال الشهر الماضي، وعد أندرو بيرنهام بالسيطرة العامة على المياه والطاقة والإسكان، وإنشاء خدمة رعاية وطنية. ومنذ توليه زعامة الحزب، تجاوز حزب العمال حزب «ريفورم يو كي» (Reform UK) في استطلاعات الرأي، ليضع نهاية لتفوقه المستمر منذ 16 شهراً.
واحتجاجات تكلفة المعيشة في مختلف أنحاء أوروبا يجب أن تكون تحذيراً؛ فإبقاء اليمين المتطرف قيد السيطرة يتطلب الوفاء بالوعد بتوفير حياة ميسورة التكلفة، ورفع أسعار الفائدة سيزيد صعوبة تحقيق ذلك.
استقرار الأسعار أمر مهم، لكن الكيفية التي نحقق بها ذلك لا تقل أهمية. فإذا كانت مكافحة التضخم ستترك الناس أفقر حالاً، وأكثر مديونية، وأقل أمناً، فإننا نخاطر بتعميق الظروف التي تعرض الديمقراطية للخطر.

