هل بدأت أدلة تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في الظهور؟

جون بيرن-مردوخ
ظهرت الأسبوع الماضي أدلة جديدة تشير إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد بدأ في الظهور في بيانات التوظيف. ففي الأحد الماضي، أظهر المحلل المالي الأمريكي إريك باسماليان أن إنتاجية العمل في القطاعات الأكثر تبنياً للذكاء الاصطناعي ارتفعت بشكل حاسم مقارنة بمسارها قبل عام 2023، في حين لم تشهد القطاعات الأخرى التغيير نفسه. وبعد ذلك بيوم واحد، كشفت مذكرة بحثية صادرة عن «جولدمان ساكس» أن القطاعات ذات الاستخدام الأعلى للذكاء الاصطناعي تشهد تراجعاً أكثر حدة في التوظيف. فهل أصبح انفجار الإنتاجية وتحديات التوظيف واقعاً قائماً بيننا؟
بداية، يجب التنويه إلى مجموعة تحفظات مهمة، فنتائج تحليل «جولدمان ساكس» تأثرت باختيار مصدر بيانات محدد وفترة زمنية معينة. وعند الاعتماد على قاعدة بيانات توظيف أكثر شمولاً يختفي هذا الرابط مع الذكاء الاصطناعي. كما أن تطبيق التحليل ذاته قبل عامين كان سيظهر ارتباطاً صورياً أشد قوة بين التقنية وتراجع التوظيف، رغم أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تكن قادرة وقتها على استبدال الوظائف.
والأهم، أنه عند توسيع كلا التحليلين ليشمل مجموعة دول أخرى ذات دخل مرتفع، مع التدرج من القطاعات العامة إلى المهام الوظيفية الأكثر دقة، تصبح صورة الارتباط أقل وضوحاً بشكل ملحوظ، فلا نجد أن القطاعات الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي هي بالضرورة الأكثر تسريحاً للموظفين أو الأعلى إنتاجية. وهنا يجب الإشارة إلى عدد من النقاط.
أولاً، يغيب الرابط الواضح في الولايات المتحدة بين استخدام الذكاء الاصطناعي ونمو الإنتاجية، وتراجع التوظيف في الدول الأخرى. ثانياً، عندما يظهر هذا النمط، فإنه يقتصر على قطاع التكنولوجيا وحده، ولا ينسحب على القطاعات الأوسع التي تتبنى هذه التقنية مثل الخدمات المالية والمهنية.
ثالثاً، بدأت نقطة التحول عام 2022 حينما اقتصر الذكاء الاصطناعي على روبوتات الدردشة ولم يكن هناك وكلاء مستقلين قادرين على استبدال الوظائف. ورابعاً، لا تعود قصة الإنتاجية إلى تسارع الإنتاج والإيرادات، بل إلى ركود أو انكماش أعداد العاملين، ولا يشترط في تراجع أعداد العمالة أن يصاحبها زيادة في الكفاءة أو حجم الإنتاج.
ونلاحظ هذا التوجه على مستوى الشركات أيضاً، سواء في «ميتا» و«ألفابت» و«مايكروسوفت» في الولايات المتحدة أم «سبوتيفاي» في السويد، حيث كانت الإيرادات وأعداد الموظفين تتحرك بشكل متوازٍ حتى عام 2022 تقريباً ثم تباعدت فجأة. وعند توسيع نطاق البحث ليشمل الخدمات المالية والمهنية، يصبح هذا النمط ضعيفاً أو غير موجود تقريباً.
وبجمع هذه المعطيات، يتحول القول إن الإنتاجية ترتفع في القطاعات المتبنية للذكاء الاصطناعي إلى واقع مفاده أن رفع أسعار الفائدة والتضخم وحالة عدم اليقين الاقتصادي التي بدأت عام 2022 دفعت الشركات إلى التراجع عن التوظيف. وأن شركات التكنولوجيا الكبرى أجرت تسريحات واسعة للعمالة قبل وقت طويل من جاهزية الذكاء الاصطناعي للاستخدام الإنتاجي.
وينطبق الأمر نفسه على قضية إزاحة الوظائف. فعند استعراض اتجاهات التوظيف في مجال البرمجيات، تظهر حقيقة واضحة، وهي تراجع التوظيف في الوظائف الابتدائية، مع استقرار الوظائف القيادية في كل مكان، بدءاً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وصولاً لألمانيا وهولندا والسويد. ولكن عند النظر بدلاً من ذلك إلى الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال بالذكاء الاصطناعي خارج قطاع التكنولوجيا وخارج الولايات المتحدة، تتلاشى معظم هذه الفجوات.
ولتوضيح الأمر، لا يستبعد هذا الطرح تماماً أي دور للذكاء الاصطناعي في إزاحة الوظائف بشكل مباشر، ولا شك في أن الذكاء الاصطناعي يغير بالفعل طبيعة العديد من المهن. ومن المحتمل أيضاً أن تباطؤ التوظيف وعمليات التسريح كان استجابة للصدمات الاقتصادية الأوسع وحالة عدم اليقين. وهي عملية قد تستمر بفعل قناعة الشركات، سواء كانت صائبة أم خاطئة، بأن الذكاء الاصطناعي يتيح لها إنجاز المزيد بموارد أقل.
وفي كلتا الحالتين، يجب أن يوضح لنا هذا أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي والاضطرابات الاقتصادية الأخرى في التأثير على التوظيف والإنتاجية، إلا أن هذه العملية تعتمد على ظروف متعددة. فالبلدان والقطاعات والشركات المختلفة تمتلك هياكل وأعرافاً وقوانين عمل وأطراً تنظيمية مختلفة تجعلها تستجيب بشكل متمايز للضغوط الاقتصادية نفسها.
وسواء في وجود الذكاء الاصطناعي أم غيابه، يتسم سوق العمل الأمريكي بمرونة أكبر في الاستجابة للصدمات الاقتصادية، وينطبق ذلك بصورة أخص على قطاع التكنولوجيا. إذ تتيح الطبيعة المرنة للبرمجيات للشركات الكبرى زيادة مخرجاتها وإيراداتها مع تثبيت أعداد الموظفين أو خفضها، وهو أمر يصعب تطبيقه في قطاعات الخدمات المالية والمهنية التي تعتمد التوسعات فيها على العلاقات الشخصية المباشرة.
هشاشة الوظائف أمام الأتمتة لا تتوقف فقط على مدى كفاءة التكنولوجيا في تنفيذ مهام محددة؛ فتركز التسريحات في قطاع البرمجيات يُظهر أن الشركات ذات القابلية العالية لتوسيع أعمالها رقمياً هي الأكثر عرضة لهذا التحول. ومع تحول المزيد من المؤسسات في مختلف القطاعات إلى تقديم خدمات رقمية، قد يندفع المزيد من أصحاب العمل إلى تبني الرهان نفسه وتقليص العمالة أسوة بعمالقة التكنولوجيا الأمريكيين.