الاتحاد الأوروبي يخاطر بالتخلي عن دعم الشركافاين

مارتن ساندبو
هناك مجالات يبدو فيها تراجع أداء أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة أمراً متخيلاً أكثر منه واقعياً، إلا أن عجزها عن تمويل وتوسيع نطاق شركات التكنولوجيا المبتكرة ليس واحداً منها.
لنبدأ بالتمويل؛ فوفقاً لأرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغت استثمارات رأس المال المخاطر في الولايات المتحدة خلال العقد الماضي ما يراوح بين 0.5 إلى 1 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لم تتجاوز هذه النسبة في أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي عُشر ذلك أو أقل. وحتى في أفضل الدول الأوروبية أداءً، مثل السويد وهولندا، إلى جانب سويسرا والمملكة المتحدة، وهما خارج الاتحاد الأوروبي، لم تتجاوز استثمارات رأس المال الجريء 0.2 % من الناتج المحلي الإجمالي في أحسن الأحوال.
أما فيما يتعلق بتوسيع نطاق الأسواق، فإن الاتحاد الأوروبي يتمتع بحجم يكفي لتمكين رواد الأعمال من الاستفادة من فرص النمو والتوسع المحلي نفسها المتاحة في الولايات المتحدة والصين. إلا أن هذا التوسع يعوقه غابة من 27 نظاماً وطنياً لقوانين الشركات، والإفلاس، والضرائب، والعمل.
الخبر السار هو أن الاتحاد الأوروبي يتحرك على الجبهتين؛ فقد أطلقت المفوضية الأوروبية «صندوق توسع أوروبا» الذي تديره شركة الاستثمار السويدية «EQT»، كما اقترحت المفوضية الأوروبية «النظام الثامن والعشرين» للشركات، والذي أُطلق عليه اسم «شركة الاتحاد الأوروبي» (EU Inc). وهو نظام يتيح للمؤسسين تسجيل شركاتهم مرة واحدة والعمل في جميع أنحاء التكتل الأوروبي. ومن الناحية النظرية، قد يحدث كلا النهجين تحولاً جذرياً، لكن من الناحية العملية قد ينتهي الأمر إلى فرصة ضائعة أخرى.
ومن بين المسارين، يبدو أن الحل المتعلق بالتمويل هو الأكثر تماسكاً حتى الآن. فهو يدرك أن النظام المالي للاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد على البنوك بدرجة أكبر بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، لا يتلاءم بشكل جيد مع تمويل التقنيات المبتكرة. وأوروبا تفتقر إلى ما تمتلكه أمريكا من ثروات خاصة ضخمة، يضع أصحابها أموالهم في أفكار واعدة ترقباً لما قد تثمره. كما أنها لا تملك، على غرار الصين، دولة مستعدة للقيام بالدور نفسه. ويمثل صندوق التوسع محاولة جادة لسد هذه الفجوة. إذ انطلق بتمويل أساسي قدره مليار يورو من بروكسل، ويستهدف جمع واستثمار إجمالي أموال قدرها 5 مليارات يورو.
ويعد هذا قطرة في بحر، لكنه يمثل نهجاً جديداً واعداً. وقال فيكتور إنجليسون، الشريك في «EQT» والرئيس المشارك لصندوق التوسع، إن الهدف هو خلق دورة إيجابية. لأن أوروبا «بحاجة إلى شركات تبلغ قيمتها تريليون يورو في أوروبا»، مشيراً إلى الكميات الهائلة من رأس المال اللازمة لتطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة. علاوة على ذلك، أوضح أن معدل النجاح في النمو من شركة قيمتها 10 مليارات دولار إلى 100 مليار دولار أعلى مقارنة بالنمو من مليار دولار إلى 10 مليارات دولار. وتابع: «نحن بحاجة إلى مؤسسين أقوياء لمواصلة البناء لتتدفق الثروة مرة أخرى إلى المنظومة الاقتصادية».
وفي الوقت الحالي، يستغل الأمريكيون إمكانياتهم تلك بل إن المستثمرين المؤسسيين الأوروبيين يميلون بدورهم إلى «الاستثمار في صناديق رأس المال الجريء الأمريكية، التي يأتي القائمون عليها بعد ذلك إلى أوروبا على متن طائرات خاصة لتمويل رواد الأعمال الأوروبيين، ويحصلون على رسوم مقابل ذلك، ثم يعودون أدراجهم» بحسب إنجليسون.
ومع التمويل الأمريكي مصحوباً بضغط لتأسيس الشركات وتوسيع نطاقها في الولايات المتحدة، وهنا ينبغي أن يسهم «النظام الثامن والعشرون» في تخفيف هذا الضغط. وللإنصاف، تبنت المفوضية الفكرة واقترحتها في مارس الماضي، وإن لم تكن في نسختها الأكثر جرأة التي كان من الممكن أن تكون عليها. وقد حذرت حينها من «أي مقترح لا يخرج في صورة أفضل أو أكثر جرأة بعد خضوعه لعمليات شد وجذب بين الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد الأوروبي».
وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد عمدت الدول الأعضاء إلى إضعاف مقترح كان معقولاً. إذ تم التخلي عن فكرتي إنشاء سجل موحد للشركات في الاتحاد الأوروبي ونظام مشترك للإعسار. كما اقتصرت القواعد الموحدة لخيارات أسهم الموظفين على الشركات التي تقل عن حجم معين، وهو ما لا يشجع الشركات على التوسع والنمو.
وتواجه النقاشات الجارية في البرلمان الأوروبي الآن خطر إضعاف هذا النهج الموحد بصورة أكبر، بسبب مخاوف من أن يؤدي إلى تجاوز الأنظمة الوطنية التي تتمسك بها الدول الأعضاء. لكن ما يغيب عن هذه المخاوف هو أن البديل المطروح حالياً ليس الإبقاء على الأنظمة الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي، بل تأسيس الشركات في ولاية ديلاوير الأمريكية.
ويخشى إنجلسون ألا تكون مبادرة «الشركة الأوروبية «بصيغتها الحالية»، جذابة بما يكفي، نظراً لافتقارها إلى مستوى التناغم التنظيمي الذي يطالب به المؤسسون»، مضيفاً أنه «حينها سيكون من الأفضل ألا نقوم بذلك.. وأن نأخذ الوقت الكافي ونعود بشيء... يتم استخدامه بالفعل».
وتقول إيفا مايدل، عضوة البرلمان الأوروبي، إن: «شركة الاتحاد الأوروبي تمتلك كل المقومات لتصبح مشروع التكامل الأوروبي الكبير القادم»، على غرار اليورو، والسفر من دون جواز سفر، والسوق الموحدة. وعلى أوروبا أن تهدف لتقديم ما هو أكثر جاذبية حتى من ديلاوير، مشيرة إلى أن «هذا يمكن أن يغير الهيكل الاقتصادي لأوروبا»، غير أن صانعي السياسات «عاجزون عن إدراك هذه الإمكانية».
باختصار، هناك افتقار للطموح السياسي؛ وهو أمر محبط للغاية خصوصاً في الوقت الذي يبدو فيه الأوروبيون أكثر طموحاً من أي وقت مضى. ففي السابق، كان هدفهم ربما محاكاة فكرة أمريكية ناجحة في بلدانهم، بحسب إنجليسون، أما الآن فهم يريدون أن يكونوا الأفضل عالمياً والإسهام في تحقيق الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا. وإذا كان قادة الاتحاد الأوروبي جادين حقاً فيما يقولونه بشأن تعزيز قدرة أوروبا على المنافسة، فمن الأفضل لهم تزويد المؤسسين بما يحتاجونه حقاً.