صبح في أمريكا وغسق في الأسواق

‏

ستيفن روش‏

عضو هيئة التدريس في جامعة ييل
«الصبح في أمريكا»، شعار استخدمه رونالد ريجان في حملته لإعادة انتخابه عام 1984، والذي يبدو صادقاً اليوم، لكن من زاوية بالغة الأهمية.

في ذلك الوقت، كان الشعار يرسم صورة للأمل والتجدد. أما اليوم، وعقب نتائج انتخابات التجديد النصفي المذهلة، التي وصفت بـ «الموجة الزرقاء»، سادت حالة ارتياح، لدى غالبية الأمريكيين الذين كانوا يخشون مستقبلاً تقوده إدارة دونالد ترامب وأتباعه من حركة «ماجا»، فيما يشبه الجماعات ذات الولاء الأعمى.

غير أن هذا الرفض القاطع لترامب، الذي منح الكثيرين شعوراً بالتحرر، لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب مستدامة في الاقتصاد أو الأسواق المالية. بل على العكس؛ فقد تتكشف أخيراً تشوهات واختلالات عدة تغاضى عنها السياسيون الأمريكيون، إن لم يكونوا قد ساهموا في خلقها، خلال السنوات العشر الماضية.

ويعود جزء من السبب في ذلك إلى أن الدورة الاقتصادية الأمريكية قد بلغت مرحلة متقدمة من عمرها. فباستثناء الصدمة الوجيزة التي أحدثتها جائحة كوفيد-19 عام 2020، لم يشهد الاقتصاد الأمريكي ركوداً منذ الأزمة المالية التي وقعت بين عامي 2007 و2009.

وغالباً ما تدفع فترات الانتعاش الطويلة السياسيين وصنّاع السياسات، وكذلك الشركات والمستهلكين، إلى الاعتقاد بأن النمو الاقتصادي يمكن أن يستمر إلى الأبد. ومع ذلك، شهدت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 12 حالة ركود، أي بمعدل حالة ركود واحدة تقريباً كل سبع سنوات.

وكثيراً ما يتجاهل السياسيون والمستثمرون مخاطر المراهنة ضد مسار الدورة الاقتصادية.

ولا يقتصر هذا الإنكار على السياسيين والمستثمرين فحسب، بل قد يقع فيه الاقتصاديون أيضاً؛ فقد تحدث آلان جرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، عن «اقتصاد جديد» أواخر تسعينيات القرن الماضي، خلال فقاعة شركات الإنترنت.

وأذكر أنني قرأت خلال دراساتي العليا كتاباً بعنوان «هل أصبحت الدورة الاقتصادية شيئاً من الماضي؟»، وهو كتاب حرره الاقتصادي البارز مارتن برونفنبرينر ونشر عام 1969، ليتبعه بعد ذلك وقوع ثلاث حالات ركود خلال 13 عاماً فقط.

إن قصص «العصور الجديدة» تبدو مغرية وجذابة، لكنها في واقع الأمر تشير إلى أن ما يلي انتخابات التجديد النصفي قد يكون أقرب إلى «الغسق» منه إلى «الصباح»، فهناك تجاوزات ومبالغات ترافق الحقبة الجديدة التي يبشر بها الذكاء الاصطناعي، وأمريكا تراهن عليها بشكل هائل.

ووفقاً لبحث حديث أجراه معهد «بروكينجز»، تشير بيانات مشاريع مراكز البيانات إلى طفرة استثمارية تراكمية بنحو 10 تريليونات دولار خلال السنوات السبع المنتهية عام 2032.

ويمثل هذا الرقم 3.6 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة؛ أي أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط (1.1 %) الذي تم تسجيله في خمس طفرات تكنولوجيةٍ سابقة، بدءاً من شق القنوات ومد السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الكهرباء والطرق السريعة وتطوير الاتصالات في القرن العشرين.

وقد بدأ نطاق التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يترك أثراً ملموساً على نمو الاقتصادي الأمريكي، الذي كان سيتباطأ لولا هذا الدعم، الذي تثار تساؤلات حول استدامته.

علاوة على ذلك، يحمل هذا التوسع تداعيات عميقة على التمويل المؤسسي. إذ تتحول كبرى شركات الحوسبة السحابية من وضع التدفق النقدي الإيجابي إلى السلبي. وفي ظل ارتفاع أسعار الفائدة، أصبح حدوث ضائقة مالية أمراً مرجحاً للغاية.

وقد تكون شركة «ألفابت» بمثابة «طائر الكناري في منجم الفحم»؛ فقد كشف أحدث تقارير أرباحها عن تباطؤ حاد في نمو نشاطها الأساسي المتمثل في البحث على الإنترنت، الذي يبدو أنه يتآكل بفعل الابتكار ذاته الذي يتم الاحتفال به على نطاقٍ واسعٍ اليوم، ألا وهو عمليات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ومع وصول صافي إصدارات الديون لدى «ألفابت» لأكثر من 75 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2026، مقارنة بنحو 11 مليار دولار فقط في الفترة المقابلة من 2025، فلا يمكن إنكار وجود تحول مقلق في دورة الاستدانة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ومع صعود أسعار الأصول، تتلاشى شكوك المستثمرين الأولية تدريجياً، لتحل محلها حالة من الخوف من فوات الفرصة؛ فكل فقاعة مالية تنتهي عادة بهذه المرحلة من المضاربة المحمومة.

ورغم أن سوق الأسهم الأمريكية، التي شهدت فترة طويلة من التضخم السعري، واتسمت بالتقلب خلال الأشهر الخمسة الماضية، إلا أنها لا تزال عند مستوى يقل بنحو 2 % فقط عن أعلى ذروة بلغتها على الإطلاق. ولا تزال الأسهم السبعة الكبرى، التي تشكل نحو ثلث القيمة السوقية لمؤشر «إس أند بي 500».

ولا شك أن تعرض السوق ككل لمخاطر التركز الشديد يثير قلقاً بالغاً. فمن المرجح أن تزداد حالة عدم اليقين السياسي حدة في الأسابيع والأشهر المقبلة، في ظل استمرار ترامب في تبني سياسات متطرفة بأوامر تنفيذية، بينما يسعى الديمقراطيون إلى إلغاء بعض من أبرزها؛ مثل الرسوم الجمركية، والتخفيضات الضريبية للأثرياء، وتقليص برامج المساعدات الغذائية (قسائم الطعام) و«ميديكيد» (برنامج الرعاية الصحية لذوي الدخل المحدود)، إضافة إلى نهج «عدم التدخل» في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

وحين ينجلي غبار الصراع السياسي، وتتعطل تحركات الكونجرس بفعل استخدام الرئيس المحتمل لحق النقض «الفيتو»، ستتوقف الموسيقى، تماماً كما حدث في مرات سابقة، وهو ما قد ينذر ببداية أفول الأسواق التي شهدت عمليات شراء مفرطة.

لا يتطلب الأمر أن تكون مناهضاً للتكنولوجيا لتشعر بالقلق إزاء «فقاعة» الذكاء الاصطناعي؛ فكل الفقاعات تنفجر في نهاية المطاف، ولا يبدو أن هذه الفقاعة ستكون استثناءً.

الخطر هنا لا يكمن في ثورة الذكاء الاصطناعي ذاتها، بل في التشوهات التي تلحقها بالاقتصاد الحقيقي وأسعار الأصول. كما أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المذهلة لن تمنع حدوث التحولات في الدورات الاقتصادية والمالية.

ومهما كان انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي مؤلماً، فقد يكون ثمناً يستحق الدفع؛ تمهيداً لبزوغ فجر جديد للقيم الأمريكية والريادة العالمية.