لا داعي إطلاقاً للقلق من تركز السوق

كاتي مارتن
من الصعب التخلي عن عادة القلق بشأن تركز سوق الأسهم. فهذا موضوع يثيره المحللون والمستثمرون وقراء نشرتنا «أن هيدجد» وكتابها باستمرار.

فنحن نعلم جميعاً أن مجموعة صغيرة جداً من الأسهم تستحوذ على حصة ضخمة من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية ونمو أرباح الشركات، كما نرى الظاهرة نفسها في أسواق أخرى كثيرة، بما فيها الأسواق الناشئة. ونعلم أيضاً أن هذا الأمر يثير لدينا شعوراً غامضاً بعدم الارتياح.

في الوقت الراهن، ومع التعثرات الأخيرة التي شهدتها الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عاد القلق من تركز السوق إلى الواجهة بقوة. لذلك، يجدر بنا أن نتساءل عن مدى أهمية هذه المسألة فعلياً. وسأبدأ بالخلاصة مباشرة: هذا التركز لا يمثل مشكلة في حد ذاته على الإطلاق.

نشر مارك كريتزمان، من بين جهات أخرى، في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وديفيد توركينجتون من مؤسسة «ستيت ستريت أسوشيتس»، ورقة بحثية العام الماضي بعنوان «مغالطة التركز».

وتمثل هذه الدراسة إضافة إلى مجموعة من الأبحاث التي تحاول إقناع المستثمرين بالتوقف عن القلق بشأن هذه المسألة، وهي رسالة يبدو أن كثيرين يصرون على تجاهلها.

قد يبدو عنوان الدراسة غريباً بعض الشيء، بالنظر إلى أن الباحثين يؤكدون أن التركز ظاهرة حقيقية. فعند قياس العدد الفعلي للأسهم استناداً إلى أوزانها التاريخية في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، يتضح أن المؤشر أصبح أكثر تركزاً مما كان عليه في أي وقت منذ عام 1998.

ويوضح الرسم البياني المقتبس من الدراسة مستويات التركز على مستوى القطاعات والأسهم، فضلاً عن مزيج من الاثنين. كلما انخفضت القيم، ارتفع مستوى التركز. وإذا أربكك ذلك، فما عليك سوى قلب هاتفك رأساً على عقب!

وينتهي تحليل البيانات على مدى زمني أطول، باستخدام المنهجية نفسها، إلى نتيجة مشابهة، إذ يتبين أن مستويات التركز الحالية ليست سابقة في التاريخ، لكنها غير مألوفة؛ فقد شهدت الأسواق حالات مماثلة في أواخر سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته، وكذلك في خمسينيات القرن الماضي.

حسناً، لنفترض أنك قررت أن هذا التركز يمثل مشكلة، وأنك تريد التحوط من مخاطره. تضع الدراسة استراتيجية استثمارية تقوم على زيادة حصة السيولة النقدية خلال فترات ارتفاع التركز، وزيادة الاستثمار في الأسهم في الفترات الأخرى. ولو طبقت هذه الاستراتيجية في الواقع اليوم، لكانت محفظتك تضم حصة ضئيلة جداً من الأسهم، ولكنت بالتأكيد حققت أداءً أسوأ بكثير مقارنة بمن يحتفظون بأسهمهم ويتجاهلون مستويات التركز.

وتقول الدراسة: «في سوق الأسهم الأمريكية، حققت استراتيجية الشراء والاحتفاظ أكثر من ضعف الثروة التي حققتها الاستراتيجية الديناميكية خلال الفترة من يناير 1936 إلى يونيو 2025، مع مخاطر أقل.

وفي خمسة أسواق أسهم رئيسية أخرى، خلال الفترة من يناير 1983 إلى يونيو 2025، أدى التصدي للتركز إلى تراجع الأداء في المتوسط، وفي الحالات التي لم يحدث فيها ذلك، كانت الفائدة ضئيلة للغاية». كما أن التركز في حد ذاته لا يقدم أي معلومات بشأن العوائد أو التقلبات أو حجم التراجعات في الأسواق.

فلماذا يحدث ذلك؟ تطرح الدراسة تفسيرات محتملة عدة، منها أن الشركات الكبرى تتمتع عموماً بتنوع أكبر في منتجاتها وانتشارها الجغرافي، وربما تكون إدارتها أفضل أيضاً.

وقد يكون من الطبيعي ببساطة أن تستحوذ الشركات الرابحة على النصيب الأكبر من المكاسب. كما تتمتع هذه الشركات بقدرة أفضل على الوصول إلى التمويل والاستشارات وغيرها من الموارد.

وربما يبدو هذا التركز أكثر وضوحاً في الوقت الراهن لأن ديناميكية «الفائز يستحوذ على كل شيء» أصبحت أقوى في سباق الذكاء الاصطناعي، ولأن العالم بأسره يريد اقتناص حصة من الفرص التي تتيحها هذه الأسهم، فيما تتركز شركات كثيرة منها في القطاع نفسه.

لكن هذه الدراسة تتناول مسألة تركز السوق، لا الفقاعات الاستثمارية. فمن المعقول بالتأكيد أن تكون أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تعيش فقاعة، وهذه مسألة مختلفة تماماً، لا سيما في ظل مستويات التركز الحالية.

فهناك عوامل كثيرة قد تؤدي إلى انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، إذا كانت موجودة بالفعل، بدءاً من ارتفاع تكاليف الاقتراض، مروراً بأخطاء الائتمان والتعثرات في التمويل، وصولاً إلى تشديد القيود التنظيمية، أو حتى عوامل تقليدية مثل الإيرادات والميزة التنافسية المستدامة للشركات، فضلاً عن مسألة تبدو بسيطة لكنها جوهرية، وهي توافر الكهرباء.

وهذه قصة أخرى تماماً، وإن كانت أكثر قتامة في ضوء مستويات التركز الراهنة. فلو انهار غداً قطاع أقل قيمة وأقل إثارة من التكنولوجيا، فمن المرجح أن تكون تداعيات ذلك على السوق أقل بكثير.

لكن الخلاصة التي تشير إليها الدراسة هي أن التركز المرتفع، في حد ذاته، لا يقدم أي معلومات مفيدة، وأن محاولة الاستثمار في الاتجاه المعاكس له تمثل هدراً للوقت والجهد.