بيليتا كلارك
كنت أدير جلسة نقاشية عن الذكاء الاصطناعي قبل أيام، حين طرح أحد الحضور سؤالاً لم يخطر على بالي من قبل.
وكان السؤال كالتالي: غالباً ما ترتبط درجة المدير وأجره بعدد من يديرهم؛ فكلما ارتفع عدد أفراد الفريق أكبر كلما زاد الراتب وعلت الدرجة الوظيفية.
لكن ما الذي سيحدث حينما يحل «وكلاء» الذكاء الاصطناعي محل المرؤوسين من البشر؟
هؤلاء الوكلاء ليسوا روبوتات دردشة مثل «تشات جي بي تي» ولا أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المعتادة، بل أنظمة قادرة على أداء المهام باستقلالية، كمراجعة الفواتير أو تصفح الإنترنت أو إرسال رسائل بريد إلكتروني.
وتفيد «ماكينزي» بأن هذه الأنظمة مستخدمة بالفعل على نطاق واسع في 40 في المائة من الشركات التي تبلغ إيراداتها مليار دولار أو أكثر، مقارنة بـ27 في المائة العام الماضي.
أما في الشركات الأصغر فالنمو متوقف، لكن النسبة تبلغ 22 في المائة، وهي ليست بالنسبة القليلة.
فهل يستحق المدير أجراً مماثلاً حين يدير برنامجاً آلياً بدلاً من إنسان من لحم ودم؟ طرحت هذا السؤال على عدد من مديري الموارد البشرية والمختصين فيها الأسبوع الماضي.
واتضح لي إنها قضية مطروحة بالفعل في بعض المؤسسات، وأنها مسألة شائكة حتى في شركات التقنية التي يقوم نموذج أعمالها على الذكاء الاصطناعي نفسه.
وقالت كيت كروجمان، كبيرة مسؤولي شؤون الموظفين في منصة سلاسل الإمداد المعتمدة على الذكاء الاصطناعي «ألتانا»، التي يقارب عدد موظفيها 300: «سيتوجب علينا قطعاً إعادة التفكير في كيفية حساب أجور الموظفين».
وأضافت أنه يمكن القول إنه إذا كان كل فرد في الشركة يدير قوة عمل من الوكلاء الآليين، فإن لدى الجميع مسؤوليات إدارية ويجب أن يكافؤوا على هذا الأساس.
وبعض جوانب الإشراف على البشر تنطبق على الوكلاء أيضاً. إذ يحتاج كلاهما إلى التوجيه والملاحظات، وإن اختلفت ردود فعلهما العاطفية اختلافاً واضحاً.
وقالت كروجمان: «البشر أكثر تقلباً بكثير من الوكلاء، على الأقل حتى الآن».
وهذه ملاحظة وجيهة.
فحين أستعيد اللحظات القصيرة، وهي لحسن الحظ قليلة، التي توليت فيها إدارة آخرين خلال مسيرتي، كنت سأقول إن قيادة روبوت ستكون أسهل بكثير.
لكن كلما تحدثت إلى مزيد من الناس عن متطلبات إدارة فريق من الوكلاء، أدركت أنني كنت مخطئة.
فمن جهة، هناك ما يسميه الباحثون «احتراق الدماغ بسبب الذكاء الاصطناعي»، أي الإرهاق الذهني الناجم عن محاولة متابعة مرؤوسين يعملون بسرعة فائقة ولا يستريحون أبداً.
يقول برايان إليوت، المسؤول التنفيذي السابق في مجموعات تقنية منها «جوجل» و«سلاك»، الذي يعمل الآن مستشاراً في مجال مستقبل العمل «سمعت من يقول إن على المهندسين استخدام 10 وكلاء في وقت واحد».
وأضاف أن ذلك «عبء ذهني هائل»، موضحاً أنه تعلم ألا يشغل أكثر من وكيلين أو ثلاثة في الوقت نفسه، وأن ما يزيد على ذلك يتحول إلى فوضى.
غير أن الطاقة التي لا تنضب لدى الوكلاء قد تكون أقل تحديات إدارتهم، إذا ما قورنت بميلهم إلى الانخراط في موجات اختراق جامحة خلال جلسات الاختبار، أو اختراق أنظمة النوادي الرياضية لتأمين مقعد لمستخدمهم في حصة تمارين «بيلاتس» عبر إزاحة آخرين من قوائم الانتظار، كما حدث في أستراليا هذا العام.
بالتالي ليس من المستغرب أن تتضخم القضية التي سميت بشكل مهذب بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي»، خصوصاً في القطاع المالي.
فقد قفزت إعلانات الوظائف المصرفية المتعلقة بـ«الذكاء الاصطناعي المسؤول» بنحو 660 في المائة مقارنة بالعام الماضي، بحسب شركة بيانات التوظيف «دراوب».
والمشكلة أنه حتى الوكلاء الذين يتسمون بحسن السلوك لديهم مشكلات.
فبدلاً من أن يتعطلوا أو تظهر رسائل خطأ كبيرة كما في الأنظمة البرمجية الأخرى، يرتكبون الأخطاء بصمت دون أن ينبهوك إليها.
هذا لا يعني أن الوكلاء عديمو الفائدة. فقد شرح لي أحد المديرين التنفيذيين بتفصيل مذهل مدى جودة أداء وكلاء شركته في مهام تتراوح بين التنبؤ بالطلب على آلاف المنتجات ومراقبة المخزون، رغم أن البشر الذين اعتادوا أداء هذه المهام لا يزالون على كشوف الرواتب، حتى الآن.
لكن المديرين كانوا حريصين، وهذا مفهوم، على مناقشة ما إذا كانت وظائفهم ستبقى إلى الأبد.
رغم ذلك، اتفق جميع من تحدثت إليهم على أمر واحد، هو أنه لا يمكن تخفيض رواتب المديرين الحاليين إذا قلصوا عدد مرؤوسيهم البشر إلى النصف، ونشروا بدلاً منهم عشرات الوكلاء الآليين، فبغض النظر عن أي شيء آخر، لقد قاموا بتوفير أموال طائلة لشركاتهم. وذلك طالما أن وكلاءهم لا يراكمون فواتير ضخمة من «الرموز».
ويعد هذا أمراً مريحاً نوعاً ما، وكذلك الحال بالنسبة للوعي المتزايد بمدى تعقيد إدارة «الوكلاء». لكن، كما هو الحال مع كل شيء آخر في عالم الذكاء الاصطناعي اليوم، يظل المرء يتساءل: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟

