مالكولم مور
بمجرد أن اندلعت الحرب في منطقة الشرق الأوسط، أدرك باكو كوينتانا ما قد يعنيه ذلك لموسم ذروة عطلات الصيف في أوروبا. وعادةً ما تُزوّد مصافي الشرق الأوسط ربع احتياجات القارة من وقود الطائرات خلال موسم الذروة، لكن مع انقطاع الإمدادات الواردة من الخليج، كان لا بد من استيراده من أماكن أخرى هذا العام.
وقام كوينتانا، البالغ من العمر 55 عاماً، الذي يُدير مصفاة كاستيلون التابعة لشركة بي بي على الساحل الشرقي لإسبانيا، بجمع فريقه، وقال: «هذا الأمر قادم إلينا. من الواضح أننا سنحتاج في مرحلة ما إلى التحوّل إلى أقصى طاقة إنتاجية لوقود الطائرات».
وأوضح أن المنشأة التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 110 آلاف برميل يومياً، والتي تُزوّد إسبانيا وجزر البليار بشكل رئيسي، كانت بحاجة إلى إعادة تهيئة سريعة لزيادة إنتاج وقود الطائرات إلى أقصى حد.
كان الأمر نفسه يُجرى في دول أوروبية أخرى تعتمد اعتماداً كبيراً على السياحة، لكن قدراتها التكريرية تراجعت بسبب سنوات من الإغلاقات ونقص الاستثمار. ولا يوجد في القارة الآن سوى نحو 70 مصفاة نفط، مقارنةً بأكثر من 130 مصفاة في الولايات المتحدة ونحو 300 مصفاة في أنحاء آسيا.
ومع التحذيرات المتكررة من جانب شركات الطيران من نفاد الوقود، وتضاعف الأسعار، كان على قطاع التكرير أن يكثف نشاطه. وفي مارس، زادت مصافي التكرير في المنطقة إنتاج وقود الطائرات بنسبة 22% مقارنةً بالعام السابق، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 1.3 مليون برميل يومياً، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وقالت الوكالة، وهي هيئة رقابية عالمية للطاقة، إن ذلك خفّض كمية الاستيراد التي تحتاجها أوروبا من الخارج إلى أكثر من النصف، على الرغم من أن المنطقة لا تزال تعتمد بشكل كبير على تدفقات وقود الطائرات من الولايات المتحدة.
وقال آلان غيلدر، نائب رئيس قسم التكرير في شركة وود ماكنزي للاستشارات في مجال الطاقة: «لعب النشاط المتزايد بقطاع التكرير الأوروبي دوراً حيوياً، حيث قامت المصافي بمعالجة كميات أكبر من النفط الخام رغم انخفاض طاقتها الإنتاجية مقارنةً بالعام الماضي.
وذلك بفضل «العمل بكامل طاقتها وتقليل أعمال الصيانة»، مع العلم بأن إعادة تهيئة المصافي وإنتاج أنواع مختلفة من المنتجات ليست بالأمر الهين.
وتحوّل المصافي براميل النفط الخام إلى وقود قابل للاستخدام عن طريق تسخينه في أعمدة فولاذية، حيث ترتفع المكونات الأخف وزناً بينما تبقى المكونات الأثقل في الأسفل، مما يسمح باستخلاص تيارات من الجزيئات التي يمكن تحويلها إلى منتجات مثل البنزين والديزل ووقود السفن والطائرات.
كما تمتلك المصافي وحدات «تكسير» قادرة على فصل الجزيئات الأثقل إلى جزيئات أخف، مما يمنحها مرونة أكبر في تعديل مزيج منتجاتها عند تقلب أسعار السوق.
وشدد كوينتانا على أن زيادة إنتاج وقود الطائرات إلى أقصى حد لم يكن مجرد تغيير بسيط. فقد فحص المهندسون خطوط الأنابيب والمفاعلات والبراميل، ثم استخدموا برامج محاكاة حاسوبية للتأكد من إمكانية تغيير المصنع بأمان.
وقال: «بدأنا نتساءل: هل يمكننا استخدام هذه المعدات بشكل مختلف؟»، وفي غضون أسبوع تقريباً، بدأت الاختبارات تُظهر زيادة في نسبة وقود الطائرات المُنتَج. لكن المهندسين احتاجوا أيضاً إلى تغيير الظروف داخل وحدات التشغيل، بما في ذلك درجة الحرارة والضغط والمحفزات والهيدروجين، للحصول على نتائج مختلفة. كما احتاجوا إلى نوع مختلف من النفط الخام.
وقال كوينتانا لصحيفة فاينانشال تايمز: «يكمن السر في مزج أنواع النفط الخام»، وقد تعاونت المصفاة مع الفرق التابعة لشركة بي بي في لندن لتأمين المواد الخام المناسبة، مع إجراء اتصالات هاتفية متبادلة عدة مرات يومياً. وبالفعل، رفعت هذه الجهود إنتاج مصفاة كاستيلون من وقود الطائرات بنحو 30%، وفقاً لشركة بي بي.
ووصف يوجين ليندل، المحلل في شركة الاستشارات الطاقية «إف جي إي نيكسانت إي سي أيه»، هذا الأمر بأنه «إنجاز عظيم»، فقد تمكنت المصفاة الإسبانية من زيادة إنتاجها من وقود الطائرات بنسبة تفوق بكثير منافسيها الأمريكيين.
وعبر مثل هذه الجهود لم تتحقق التوقعات المتشائمة بنفاد وقود الطائرات في أوروبا خلال أسابيع، وانخفض الضغط على الإمدادات بسرعة. واليوم، انخفضت أسعار وقود الطائرات مقارنةً بالديزل إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب.
وقال عمار خان، رئيس قسم تسعير وقود الطائرات الأوروبي في شركة أرجوس ميديا: «أصبح الجميع في وضع جيد في السوق»، مشيراً إلى إمكانية تلبية الطلب الصيفي حتى وإن كان من غير المرجح وصول الإمدادات الفعلية من الشرق الأوسط قبل أواخر يوليو.
كما شهد نظام التكرير الأوسع لشركة بي بي زيادة في طاقته الإنتاجية، حيث بلغت معالجة 1.5 مليون برميل من النفط الخام يومياً في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، وهو أعلى مستوى ربع سنوي له في أربع سنوات.
وقالت بريندا ستاوت، رئيسة قسم التكرير في شركة الطاقة العملاقة، إن الأزمة أظهرت كيف تغيرت صناعة النفط عن الفترة التي كانت المصافي فيها أقل مرونة. وأضافت: «قبل 10 - 20 عاماً، كان تصميم المصافي يعتمد على مصدر ثابت للنفط الخام، وكانت المنتجات تُصمم وفقاً لمتطلبات السوق بشكل أقل ديناميكية». أما الآن، تجد شركات التكرير أنفسها مطالبة بأن تكون أكثر مرونة من حيث أنواع النفط الخام التي تشتريها والمنتجات التي توفرها.