روبرت أرمسترونج
يلاحظ المتابع العادي لأسواق المال مدى رخص الأسهم الأوروبية مقارنة بنظيراتها الأمريكية، حيث يتم تداولها بخصم يتجاوز الربع قياساً إلى الأرباح. غير أن المستثمرين الباحثين عن صفقات رابحة في القارة العجوز يصطدمون بواقع مغاير؛ فعدد الشركات الأوروبية الكبرى محدود للغاية، وغالباً ما يعكس رخص أسعارها تباطؤاً بنيوياً في معدلات نموها مقارنة بالشركات الأمريكية. وهنا تبدو المشكلة الجوهرية واضحة، فالشركات الأوروبية تعاني أشد المعاناة في مسار التوسع والنمو.
وعندما تسأل المستثمرين ورواد الأعمال في أوروبا حول أسباب هذا الجمود وإمكانية تجاوزه، فغالباً ما تكون الإجابات مغرقة في التشاؤم. فسواء تعلق الأمر بفرط التنظيم، أم تشتت اللغات والتقاليد، أم الثقافة المتحفظة تجاه المخاطر والعمل، تسود قناعة بأن هذه العقبات راسخة منذ عقود وأن شيئاً لن يتغير. لكن المتابع من منظور خارجي يرى المشهد بشكل مختلف؛ فالعديد من عوائق النمو قابلة للتجاوز، وهناك مؤشرات مبكرة تلوح في الأفق، على حدوث تقدم حقيقي.
ويمكن تفكيك معضلة التوسع في أوروبا إلى ثلاث عقبات رئيسية: القوانين، والثقافة، ورأس المال. وتتمثل الأولى في الأطر التشريعية والتنظيمية، وهي القضية الأكثر إثارة للنقاش والتي تم عرضها بإسهاب في تقارير التنافسية وإصلاح الأسواق التي أعدها ماريو دراجي وإنريكو ليتا. وأكبر أضرار هذه المشكلة هو التكلفة الباهظة الناتجة عن ازدواجية الأنظمة الوطنية الخاصة بالبيانات، والمشتريات الحكومية، والضرائب.
وثقافياً، هناك أشكال من التباين الأوروبي في اللغات والأذواق والتقاليد، تعيق أحياناً توسع بعض القطاعات عبر القارة، وهي سمات أصيلة لا يمكن ولا ينبغي محوها. لكن الثقافة تتخذ أشكالاً أيضاً في الممارسات والسلوكيات تحمي الجمود المناهض للنمو ولا وجود لها في القانون.
ويشير إنريكو ليتا إلى أن الأوروبيين الذين يعملون ويعيشون عبر الحدود يجدون أنهم يحتاجون لحسابات مصرفية وأرقام هواتف محلية في كل دولة لدفع الإيجار وتفعيل حسابات المرافق. ورغم عدم وجود قانون يلزم بذلك، إلا أن الظاهرة منتشرة على نطاق واسع، ويحمي الشركات المحلية القائمة من الشركات المبتكرة والمستحوذة العابرة للحدود. وبالنسبة للأفراد تعد هذه الإجراءات مجرد إزعاج، أما للشركات الصغيرة الناشئة التي تسعى لتوطين موظفيها وربط موظفيها عبر القارة، فتتحول تلك العراقيل إلى مرساة تعطل انطلاقها.
وذكرت دراسة حديثة أن الفجوة في القيمة والحجم بين الشركات الأمريكية والأوروبية لا يفسرها فقط ضخامة وعدد الشركات الأمريكية، ولا إدراج الشركات الأوروبية في «وول ستريت»، ولا حتى تركيبة السوقين. بل يتركز الخلل تحديداً في المرحلة التي لا تعتمد فيها قيمة الشركة على التدفق النقدي، بل على إمكانية النمو.
كما يعد تشتت الأسواق الأوروبية عاملاً مهماً. فنمو المبيعات وحجم السوق المحلي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وهو نمط غائب في الشركات الأمريكية. علاوة على شح في «رأس المال الصبور المحب للمخاطر» الموجه للشركات الناشئة عالية النمو، بسبب عجز صناديق التقاعد الأوروبية عن تكوين تكتلات استثمارية ضخمة.
ويظل التساؤل: هل تعاني الشركات الأوروبية بسبب نقص رأس المال، أم أن رؤوس الأموال تحجم عن الاستثمار لعجز الشركات عن النمو؟ من المرجح أن العاملين يتفاعلان معاً، وأعتقد أن المستثمرين يبحثون، لكنهم لا يجدون. وتاريخ الاستثمار المتدني يعني أن أنظمة دعم رواد الأعمال غير متطورة، والتوقعات منخفضة، والدعم السياسي للإصلاحات المشجعة للنمو ضعيفة.
رغم ذلك، لا يبدو التغيير مستحيلاً؛ فأزمة النمو المؤسسي في أوروبا تتميز عن غيرها من الأزمات الجيوسياسية بوجود حلول لا تتطلب تنازلات باهظة. فمقترح إنشاء هيئة تنظيمية فوق وطنية داخل السوق المشتركة، أو ما يعرف بـ «النظام الثامن والعشرين»، كفيل بتحقيق تجانس تنظيمي حقيقي. كما يمكن استئصال الممارسات التجارية الخانقة التي تكبح المنافسة. كما تمتلك أوروبا 5 بورصات رئيسية وعدداً من البورصات الأصغر. ويمكن أن يؤدي اندماجها، الذي عرقله الاتحاد الأوروبي في الماضي، إلى تقليص هذا العدد إلى بورصة أو اثنتين، ما يخلق سيولة أكبر. وهناك نماذج مثل «ألدي» و«إيه إس إم إل» تثبت قدرة الشركات الأوروبية على النمو العالمي الفائق متى توافرت الظروف الملائمة.
الرأي العام أن التغيير الجذري يظل مستحيلاً سياسياً بسبب المصالح المحلية الراسخة والبيروقراطية شديدة الحذر. لكن التجربة تثبت عكس ذلك؛ ففي ألمانيا، بدأت خطوات فعلية للانتقال من معاشات التقاعد التقليدية إلى نموذج الاستثمار العام، كما أن الاستحواذ المخطط لبنك «يوني كريديت» على «كوميرتس بنك» يمهد الطريق لظهور بنوك أوروبية كبرى عابرة للحدود. وهي تحولات كانت تبدو من قبيل المستحيل قبل سنوات قليلة، ما يثبت أن جرعة من التفاؤل والجرأة قد تكون ما تحتاجه أوروبا اليوم.
لماذا تعاني الشركات الأوروبية أزمة في النمو؟

