ريتشارد ووترز
تشهد «وول ستريت» حالة من القلق الشديد إزاء خطر تأثيرات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من القطاعات. ويمكن أن يكون هذا هو التفسير وراء الانخفاض الحاد الذي شهدته أسهم شركات الوساطة وإدارة الثروات هذا الأسبوع، والذي يعود إلى شركة التكنولوجيا المالية الأمريكية غير المعروفة نسبياً «ألترويست».
ولطالما غذّت فكرة قدرة شركة ناشئة تمتلك تكنولوجيا متطورة على تهديد عمالقة القطاع المالي موجاتٍ من الهوس بقطاع التكنولوجيا المالية على مر السنين، وقد أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي بُعداً جديداً لهذا الأمر، مثلما فعل في قطاعات أخرى.
وكما هي الحال مع موجات التحول التكنولوجي السابقة، فإن أكثر القطاعات عرضةً للخطر، هي تلك التي يعتمد منتجها الأساسي على المعلومات، مثل الخدمات المالية والقانونية والإعلامية والبرمجية.
ولا تبدو شركة «ألترويست» تهديداً حقيقياً للوهلة الأولى، إلا أنها تُجسّد كيف يمكن أن تشتد المنافسة الشرسة بسبب الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت الشركة العام الماضي خدمةً لتحسين قدرة مستشاري الاستثمار على تحليل المحافظ الاستثمارية.
وتقديم توصيات بشأن استراتيجيات الاستثمار لعملائهم. هذا النوع من الخدمات هو ما دأبت شركات التكنولوجيا المالية على فعله لسنوات، لكن هذه الخدمات قد تعززت بشكل كبير، بفضل الاعتماد على نماذج لغوية ضخمة.
وبطبيعة الحال، تتوفر قدرات الذكاء الاصطناعي نفسها للشركات الراسخة للوساطة المالية ومديري الثروات الذين وظفوا التكنولوجيا لتطوير خدماتهم. وسيظل التحكم في العملاء وقنوات التوزيع، إلى جانب الخبرة المتعمقة في المجال، الاستراتيجية الدفاعية الرئيسة.
لكن الذكاء الاصطناعي يُضفي بُعداً جديداً على هذا المشهد. فمع تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي ودمج الخبرة في الأنظمة الذكية، ستزداد التساؤلات حول الميزة التنافسية التي يوفرها العنصر البشري، ويبدو أن مسألة التحكم في هذه الأنظمة ستصبح هي المعيار الذي تسعى إليه العديد من الشركات، في مجال البرمجيات وغيرها.
وقد تأججت حالة التقلب الشديد التي شهدتها الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة، بسبب ما يُعتبر هجوماً شاملاً من قِبل شركتي «أنثروبيك» و«أوبن أيه آي» المتخصصتين في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي، على قطاع البرمجيات. ويشمل مصطلح «البرمجيات» أي خدمة تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا في إنشائها أو تقديمها.
وتزداد مخاوف السوق وتتعمق بسبب عدم اليقين بشأن الدور الذي تتوقعه شركات الذكاء الاصطناعي لنفسها في عالم تكنولوجيا المؤسسات. وكانت شركة أنثروبيك أول من تحرك، حيث أعادت توظيف وكيلها البرمجي ليصبح وكيلاً أكثر شمولية، قادراً على أداء مجموعة واسعة من الوظائف للعاملين غير التقنيين.
وما نقل هذا إلى مستوى آخر، هو إضافة ما تسميه «المكونات الإضافية»- وهي مهارات متخصصة يمكن لوكيلها، المعروف باسم «كو ورك»، استخدامها للقيام بأمور مثل تحليل العقود القانونية أو إنتاج محتوى تسويقي.
ومن السهل تخيّل أن هذه المهارات ستتطور لتشمل العديد من المهام التي يقوم بها العاملون البشريون، ما يجعلها بمثابة أدوات متعددة الاستخدامات في عالم البرمجيات.
يمثل هذا تهديداً خطيراً لأنواع مختلفة من الأعمال، فإذا بدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين أنشأتهم شركات أخرى في أداء العمل الذي يقدره العملاء أكثر من غيره، فسوف تتراجع الشركات القائمة كثيراً، لتستقر في الخلفية.
وقد تظل هذه الشركات تتحكم في أهم بيانات العميل، لكنها تخاطر بأن تُحصر في دور المرافق، حيث ستقتصر مهمتها حينها على توفير مساحة تخزين للبيانات التي تحولها الشركات الأخرى إلى خدمات قيّمة.
من جانبهم، يقلل مطورو نماذج الذكاء الاصطناعي من شأن هذا التهديد، ويصفون أنفسهم بالشركاء لا المنافسين. وليس هذا بالأمر المفاجئ، فجزء كبير من أعمالهم ينطوي على بيع إمكانية الوصول إلى نماذجهم لتشغيل خدمات شركات أخرى، قد تصبح منافساً لهم قريباً.
مع ذلك، يشير تموقعها إلى أن منافسة أشد حتمية. وقد كشفت «أوبن إيه آي» مؤخراً عن طموحات كبيرة لـ «فرونتير»، مشروعها الخاص في مجال برمجيات المؤسسات.
ويشمل ذلك التحكم في جميع وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين قد يرغبون يوماً ما في الوصول إلى أنظمة الشركة، وتقييم الأداء وتحسينه، وتوفير بيئة العمل التي يتم فيها كل ذلك.
هذه هي الوظائف التي تعتبرها شركات برمجيات المؤسسات الحالية مجالها الطبيعي. وإذا سيطر «فرونتير» على هذه الطبقة الجديدة من البرمجيات، ونسق عمل الوكلاء، فإنه سيدفع الآخرين إلى حالة من التهميش.
لقد بدأت ملامح هذه المعركة تتضح للتو. وقد أظهرت الشركات القائمة بالفعل استعدادها للدفاع بشراسة عن مكانتها، ويشمل ذلك شركات مثل «سيلزفورس»، التي حظرت العام الماضي الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات خارجية.
والتي أرادت استخلاص البيانات من خدمة اتصالات «سلاك» الخاصة بها. لكن حظر الخدمات الجديدة من شركات خارجية، لن يجعلها تحظى بشعبية لدى عملائها. والحل يتمثل في ضرورة تحرك الشركات القائمة بسرعة لإنشاء خدمات مماثلة، مع بذل المزيد لترسيخ مكانتها في قلب عالم الوكلاء الناشئ.