لحظة حاسمة هي أشبه بساعة الميلاد، تلك التي يضع فيها الأديب قلمه، بعدما استقر في نفسه أنه أتم عمله، وأن منجزه الإبداعي الجديد قد اكتمل ورأى النور، حينها تتملكه الفرحة العارمة والرضا عن النفس.
وقد درج كثير من الأدباء في تلك اللحظة على تذييل أعمالهم الإبداعية بتسجيل الزمان والمكان اللذين تمت فيهما كتابة النص الأدبي، وهو نوع من الطقوس المعتادة لدى فريق من الشعراء والكتَّاب، يثير التساؤل عن المغزى من ورائه، ويغري بمعرفة أثره لدى المتلقي.
توثيق جمالي
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الإماراتي خالد جميع الهنداسي، لـ«البيان»، أن تأريخ العمل الأدبي بتحديد الزمان والمكان اللذين كُتب فيهما يمثل توثيقاً جمالياً ومعنوياً لتجربة الكاتب؛ لأنه لا يقتصر على البعد الزمني فحسب، بل يمنح القارئ مفاتيح إضافية لفهم الحالة النفسية والبيئية التي وُلد فيها النص، مشيراً إلى أن كثيراً من النصوص تحمل ملامح اللحظة التي خُلقت فيها، وأن توثيقها يجعلها أقرب إلى الصدق الفني والعمق الإنساني.
وقال الهنداسي: «معرفة القارئ بزمن كتابة العمل ومكانه تضيف بعداً تفسيرياً يساعده على تذوق النص وتحليله بوعي أكبر، خصوصاً حين يكون الزمان جزءاً من بنية النص أو خلفيته الفكرية، ومع ذلك، يبقى النص الجميل قادراً على العبور إلى وجدان المتلقي، حتى لو جُرّد من تفاصيل زمنه ومكانه».
وأوضح أنه في تجربته الإبداعية، يدرج أحياناً الزمان والمكان في نهاية العمل عندما يكون لهما أثر مباشر في التكوين الفني أو بناء الفكرة، لافتاً إلى أنهما جزء من ذاكرة النص التي يحرص على أن تبقى حاضرة للأجيال القادمة، وشاهدة على لحظة الكتابة ومناخها الإبداعي.
عمق وتأثير
من جانبه، رأى الشاعر الأردني محمد العياف العموش أن أي عمل إبداعي لا يمكن أن ينفصل عن المكان والزمان؛ لأنهما عنصران رئيسان في إعطاء العمل الإبداعي عمقاً وتأثيراً في إيصال العمل الإبداعي إلى المتلقي؛ لما لهما من إرهاصات وأجواء انبثق العمل الإبداعي من خلالهما، مؤكداً أن العمل الإبداعي وليد المكان والزمان.
وقال العموش: «عن نفسي ألجأ إلى هذا التوثيق في غالب أعمالي؛ وذلك لما له من فائدة كبرى، وخاصة للأجيال القادمة التي لم تعش جوّ العمل من حيث مكانه وزمانه. ولو أخذنا مثالاً حيّاً لنا نحن الآن حينما نقف أمام نقوش الحضارات السابقة، فإننا نستعين بالمكان والزمان اللذين وُجدت فيهما هذه النقوش لمزيد من فهمها وتذوقها».
وعن مدى تأثير هذا النوع من التوثيق في تذوق النص الأدبي وتحليله، أوضح أن لكل زمن طقوسه وأجواءه، وأن اختلاف الزمن وما يعتريه من أحداث مهم جداً في تزويد القارئ بما يعينه على فهم حيثيات العمل الإبداعي وظروف ولادته، مشيراً إلى أن الأحداث الكبرى التي ترافق ولادة العمل الإبداعي مرتبطة بمكان وزمان، وهي الإطار الذي ينفذ المتلقي من خلاله إلى العمل الإبداعي وتحليله وفهمه وتذوقه.
خصوصية إبداعية
وأضاف محمد العياف: «الزمن ليس مجرد ساعات وأيام وشهور، بل هو حالة مكتظة بالأحداث والشخوص، وهذا ضروري لبلورة العمل الإبداعي، وإحاطة المتلقي بهذه الأحداث والشخوص التي ارتبط العمل الإبداعي بها ضروري جداً للمتلقي».
ولفت إلى أن خصوصية التجربة الإبداعية يجب أن تتماهى وتتمازج مع العمومية الإنسانية ككل، وحينئذٍ تزول الفوارق بين الخصوصية في التجربة الإبداعية وبين شموليتها، مبيناً أن المبدع لا يدور حول ذاته، بل ينطلق من خلالها إلى المفهوم العام والشامل للتجربة الإبداعية.
وتابع: «حين يكتب الشاعر مثلاً عن أبيه أو أمه أو قريته أو حزنه فهو يتقمص الإنسانية عامة في كل ذلك؛ لذلك فخصوصية التجربة الإبداعية تنصهر في الشمولية الإنسانية؛ لأن الخصوصيات بالنسبة إلى المبدع هي ذاتها للمتلقي، وإن اختلف المكان والزمان، فالطفولة والوطن والأم والأب والمدرسة والحرية والجمال تتشابه لدى الإنسان أينما وجد».






