قبل أن يلوح خيط الفجر الأول كانت هناك حكاية صوت أيقظ القلوب قبل أن يوقظ البيوت، وبقي علامة مضيئة في سجل الحياة الشعبية، صوت رجل يشق الأزقة ويجوب الحارات، يوقظ النائمين وينبه الساهرين، حاملاً معه روح رمضان ومعناه.
في دبي القديمة، كما في سائر مناطق الإمارات، لم يكن «بوطبيلة» شخصية عابرة، بل حضور ارتبط بالذاكرة الجمعية، وأصبح جزءاً من طقوس الشهر الكريم، ومع تغير ملامح الحياة ظل صدى الطبل شاهداً على زمن كان فيه التراث يعاش يومياً لا يستعاد فقط في المناسبات.
وكان عبدالله فهيدي «بوطبيلة» شغوفاً بالتراث الشعبي بكل تفاصيله، نشأ محباً للموروث، وتأثر بجده الذي كان يطبل في الفرق الشعبية قديماً، فكانت تلك البذرة الأولى التي غرست داخله حب الإيقاع التراثي والهوية الشعبية.
وقال عبدالله إن رحلته مع شخصية المسحراتي بدأت فعلياً في منطقة الشندغة خلال الفعاليات التراثية بين عامي 2013 و2015، حيث تولى أداء الدور بالطبل. ومع مرور الوقت لاحظ أن هذه العادة بدأت تتراجع وأن عدد من يحيونها أصبح محدوداً، فقرر الاستمرار لتتحول التجربة من مشاركة عابرة إلى رسالة شخصية.
وأكد أن المسحراتي ليس مجرد عادة رمضانية، بل تقليد ثقافي متجذر في الدول الإسلامية، ولكل بلد طريقته وأهازيجه الخاصة، مضيفاً: «هذا شيء ثقافي نعتز به، وأنا أؤدي شخصية تراثية قديمة».
وأوضح أنه في عام 2023 بدأ جولات منظمة بالتعاون مع «فرجان دبي»، حيث قدم فعاليات في مناطق عدة، مثل ند الحمر والمزهر والقوز، إلى جانب جولات يومية داخل الأحياء السكنية، ما عزز التفاعل المجتمعي، خصوصاً مع الأطفال وكبار السن الذين يشاركون بارتداء الأزياء التراثية وحمل الفوانيس حفاظاً على هذا الإرث.
وأشار إلى أن الطبل يجذب الجميع حتى السياح والأجانب الذين يسألونه عن معنى الشخصية والأهازيج التراثية ولماذا يوقظ الناس للسحور، إذ يجهل كثير منهم الفكرة في أصلها. ويرى أن الدور لا يقتصر على الإيقاع والهتاف، بل يتطلب معرفة بالتراث والتاريخ الشعبي، لذلك حرص على تدريب مجموعة من الشباب ليؤدوا هذه الأهازيج معه حفاظاً على استمرارية العادة.
ولا يكتفي بشخصية «بوطبيلة»، بل يقدم شخصيات من المهن الشعبية القديمة، وشارك في أعمال مسرحية وفعاليات متنوعة، كما يمارس الحرفة اليدوية في صناعة البيوت التراثية من الأريش والخوص لأغراض الديكور.
وحين يسير ليلاً مرتدياً الزي التراثي لا يشعر أنه يؤدي دوراً تمثيلياً فحسب، بل كأنه يستعيد زمناً كاملاً، زمن الفريج والصوت الذي يسبق الفجر وزمن البساطة التي جمعت الناس حول معنى واحد، وبصوته الذي يصدح «اصحى يا نايم واذكر ربك الدايم» لا يوقظ الناس للسحور فقط، بل يوقظ ذاكرة المكان.
ذكرى حية
من جانبه أكد راشد محمد بن هاشم، الباحث في التراث، أن «بوطبيلة» ذكرى حية من الذاكرة الشعبية وعادة يعاد إحياؤها كل عام في رمضان.
وأشار إلى أنه في دبي شخصيات معروفة ارتبطت بهذه الممارسة وعاشت حياة تراثية أصيلة، سواء ارتدت الزي التقليدي كاملاً أم لا، إذ يبقى الطبل هو الرمز الجامع لهذه العادة.
وأوضح أن مهمة «بوطبيلة» كانت إيقاظ الناس قبل الفجر للسحور، ومن هنا جاءت التسمية، وهي عادة قديمة تمتد جذورها إلى الماضي حين كان الأهالي في مختلف مناطق الإمارات يستيقظون على صوته استعداداً للسحور وصلاة الفجر.
وأضاف أن لكل حارة في دبي مسحراتيها المعروف بأهازيجه الدينية والاجتماعية التي تعبر عن روح المكان، واستذكر من تلك الشخصيات المرحوم إسماعيل بن يرمه.

