إبداع بصري يتكئ على عمق الذاكرة، ولمسات فنية تستلهم تفاصيل المكان والإنسان، وجهود شابة تحسن تحويل التراث إلى لغة معاصرة تنبض بالحياة. وفي فضاءات الفعاليات المتنوعة التي تحتضنها دبي على مدار العام، يبرهن أبناء الإمارات على قدرتهم المتجددة في التعبير عن هويتهم الوطنية بأساليب مبتكرة، تمزج بين الأصالة والحداثة، وتعيد تقديم الموروث الثقافي برؤى إبداعية تتجاوز الشكل إلى المعنى.
ومن خلال التصميم، والضيافة، والفنون البصرية والموسيقية، تتجلى ملامح الثقافة الإماراتية بوصفها حكاية مفتوحة، تروى بلغة الحواس، وتؤكد حضور الإنسان الإماراتي بوصفه صانع تجربة وقيمة، لا مجرد شاهد على حدث. هكذا تتحول الفعاليات إلى منصات حية للاحتفاء بالهوية، ومساحات يتقاطع فيها الإبداع مع الانتماء، ليبقى التراث حاضراً، متجدداً، وقادراً على مخاطبة العالم بثقة وجمال.
وكان المعرض المصاحب لمؤتمر الاتحاد البريدي العالمي الثامن والعشرين، الذي انعقد في مركز دبي التجاري العالمي خلال سبتمبر الماضي، أحد النماذج التي تجلَّت من خلالها لمسات أبناء الإمارات الإبداعية في الاحتفاء بالهوية التراثية خلال الفعاليات المتنوعة، حيث تجلَّت فيه العديد من المشاهد الناضحة بالجمال، والملامح الفنية الجديرة بالاحتفاء.
تفاصيل دقيقة
وقالت سارة العبيدلي، من فريق تنظيم مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي من مجموعة «سفن إكس»، إن ملامح الأصالة الإماراتية ظهرت في أدق التفاصيل التي تضمَّنتها فعاليات المؤتمر الثامن والعشرين الذي انعقد في مركز دبي التجاري العالمي خلال سبتمبر الماضي، بدءاً من حفل العشاء الذي أقيم قبل الافتتاح، وأعدته الشيف الإماراتية عائشة العبيدلي التي قدمت للحضور أشكالاً متنوعة ضمن قائمة طعام من الأكلات الشعبية، مشيرة إلى أن القسم الثاني من الحفل اشتمل على تقديم «جيلاتو» بنكهات عربية (كرك، زعفران، كركديه)، و«كب كيك» بنكهة الرطب، و«كوكيز» بمذاق العصيدة والمهلبية، كما تألقت مظاهر الاحتفال بإبراز الجانب الموسيقي المتمثل في عزف مقطوعات أبدعها الفنان الإماراتي أرقم العبري.
وأكدت أن الطوابع التذكارية الصادرة عن بريد الإمارات بمناسبة الحدث احتفت هي الأخرى بالطابع الإماراتي؛ إذ تميزت تصميماتها بإبداع الفنانة الإماراتية ياسمين الملا التي استطاعت عبر لمساتها الفنية أن تدمج الماضي بالحاضر والمستقبل، لافتة إلى أن حكاية الطابع بدأت ببوابة تاريخية تروي قصص الماضي مروراً ببحار وقوارب شراعية تجسد التراث البحري، وظلال الصقر رمز القوة والفخر، وكثبان رملية تنساب بانسيابية الطبيعة، وصولاً إلى ناطحات سحاب شامخة تعانق السماء، في عمل فني بديع عكس مسيرة الدولة ووثق لحظاتها التاريخية، إلى جانب إبداعاتها في تصميم الهدايا والجوائز الخاصة بالمؤتمر.
وأردفت سارة قائلة: «حرصت وزميلتي عائشة بن سرور على أن نضفي على كل زوايا المؤتمر ومتعلقاته سمات من وحي الثقافة الإماراتية، وراعينا التطور والتجديد، ولكن من منظور تراثي ورؤية تعزز مفهوم الانتماء إلى الهوية، وكان من مظاهر ذلك أن اخترنا مجموعة من الأسماء ذات الجذور الإماراتية لإطلاقها على أركان المعرض وقاعاته، مثل: «الصقر»، و«الكثبان الرملية»، و«الواحة»»، موضحةً أن «ركن الواحة» بالتحديد تماهى بمكوناته مع مفردات الثقافة الإماراتية على نحو رائع ومتسق؛ إذ احتوى على مقاعد معتادة، وأخرى على نمط الجلسات العربية التراثية التي استهوت كثيراً من الزوار.
دلالات أصيلة
من جانبها أشارت عائشة بن سرور، من فريق تنظيم مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي من مجموعة «سفن إكس»، إلى أن لفظ «الواحة» يحمل دلالات أصيلة، ويعيد الأذهان إلى الواحات التي كانت تشكل قديماً أماكن استراحة يقضي فيها الناس ساعات من الاستجمام بعد مشقة وتعب، كما أنه يوحي بفكرة الترحيب بالضيوف ودعوتهم إلى تناول القهوة، مبينةً أن الواحة كانت تمثل مصدر حياة أساسياً في الصحراء؛ فهي توفر الماء والغذاء والظل، ما جعلها عبر التاريخ مركزاً للاستقرار البشري والزراعة، ورمزاً للخصب والاستدامة، ومكاناً للضيافة والتواصل بين الناس في البيئات الصحراوية.
وأوضحت أنه تم توظيف بعض العناصر البسيطة ذات الدلالات التراثية العميقة في المكان التي لفتت انتباه الكثيرين وأوصلت الرسالة الثقافية الإماراتية بنجاح، كاستخدام الخوص في الخلفيات، وفي حواف الدرج الذي يرتقيه ضيوف المؤتمر إلى موضع جدار التصوير لالتقاط الصور التذكارية أمامه، وتزيين المواقع بأشجار النخيل والفخار، واعتماد شجرة الغاف في كل الزوايا؛ لما ترمز إليه من الصبر وتستحضره من مناقب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي اعتنى كثيراً بهذه الشجرة، مضيفةً أن تقديم القهوة في «ركن الواحة» جرى بطريقة مميزة على يد فنان مختص أظهر حفاوة شديدة بالحضور، وأثرى معلوماتهم في هذا المجال، واستدعى بأسلوبه المشوِّق مظاهر الترحيب الإماراتية المتوارثة في إكرام الضيف وإبداء المودة له.




