شروح التعريف بالعمل الفني.. دلالات وقراءات تعكس ثراء التجربة

روان محي
روان محي
عبد الله النيادي
عبد الله النيادي

تحفل المعارض والمتاحف بالعديد من الأعمال الفنية التي تتفاوت معانيها الإبداعية وضوحاً وغموضاً، وعادة ما يلحظ أفراد الجمهور وجود شروح تعريفية مثبتة إلى جانب كل عمل فني، تصف وتحلل مكوناته ومفاهيمه، وتلقي الضوء على أهميته وقيمته، محددة نوعه وأدواته وخاماته، وموضحة أسسه الجمالية ورموزه التعبيرية.

«البيان» استطلعت آراء مبدعين في الوسط الفني؛ ليكشفوا عن تصوراتهم نحو مدى أهمية تلك الشروح التي تزيل جانباً من الغموض أمام المتلقي من جهة، ولكنها قد تفرض عليه رؤية جاهزة لتفسير العمل الفني من جهة أخرى.

يرى الفنان عبدالله النيادي أن وجود الشروح التعريفية وبيان الفنان (Artist Statement) يمكن أن يكون مفيداً في إضاءة جوانب من العمل الفني، وأنه يساعد المتلقي على استكمال فهمه وتذوقه، موضحاً أنه مع ذلك، لا ينبغي أن يعتمد الفنان اعتماداً كلياً على النصوص المرافقة لتوصيل فكرته؛ فالعمل الفني يجب أن يمتلك القدرة الجوهرية على التعبير عن قصته أو فكرته أو مفهومه بذاته، حتى من دون كلمات.

وقال النيادي: «في تجربتي الخاصة، أفضل أن تكون الشروح أو البيانات الفنية مكتوبة بلغة يفهمها الجميع، كباراً وصغاراً ومن مختلف الخلفيات؛ فالفن في جوهره رسالة إنسانية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، كما أنني أقدر المبادرات الحديثة لدى بعض المعارض التي توفر رموز الاستجابة السريعة مثل (الكيو آر كود) لربط الجمهور بوسائل التواصل الخاصة بالفنان»، واصفاً ذلك بأنه وسيلة مفيدة لتعزيز التواصل المباشر بين الفنان والجمهور.

واعتبر تعدد قراءات العمل الفني ظاهرة صحية وغنى للعمل لا إشكالية فيه، وأن تنوع القراءات يعكس ثراء التجربة الجمالية، ويمنح الجمهور مساحة للتفاعل الشخصي مع العمل، مؤكداً أن الرسالة التي يقصدها الفنان تظل قائمة، لكن تعدد التأويلات يفتح المجال لآفاق أوسع للفهم والتأمل، وأنه ينبغي أن تكون هناك حرية للفنان في اختيار ما إذا كان يرغب في تقديم شرح مرفق، أو يفضل أن يترك العمل ليتحدث عن نفسه مباشرة للجمهور.

لغة بصرية

وأوضح الفنان أكثم عبدالحميد أن على الفنان قبل كل شيء أن يكون مثقفاً وله رأي في هذه الحياة؛ ليضع بصمته ويكوّن شخصيته من خلال العمل الفني الذي يقدمه للجمهور، لافتاً إلى أن الأعمال الفنية تعتمد في أساسها على اللغة البصرية لا السمعية، وإحداث الجمال الذي يجذب المتلقي والمعنى معاً.

وقال: «بناءً على هذا التصور؛ فإن المتلقي يرى العمل الفني بعينيه ويتذوق جمالياته قبل أن يسمع أو يقرأ أي كلام عنه؛ لذلك فإن العمل الجيد هو الذي يلفت الأنظار، ويترك المشاهد يتساءل بحسب ثقافته الخاصة»، معرباً عن رفضه القاطع لفكرة وضع شروح تعريفية إلى جانب العمل الفني، سواء في المعارض أو المتاحف؛ لأنها لا تسمح للمتلقي بالتفكر في ماهيته الإبداعية.

وأكد أن هذا التصرف ما هو إلا محاولة من الفنان لكي يصادر على عقل المتلقي ويفرض عليه رؤية مسبقة في قراءة العمل الفني وتحليله، لكن الصواب أن ينطلق المتلقي من رؤيته الخاصة للعمل ويبني تصوراته على أساسها، مشيراً إلى أنه لا مانع بعد ذلك من أن يسأل المتلقي الفنان عن مضمون فكرته التي دعته إلى إبداع العمل، وعن الرسالة المقصودة من ورائه؛ ليشكل ذلك إضافة يثري بها المتلقي ما تبلور في مخيلته واستقر في ضميره.

رسالة ورؤية

من جانبها، أكدت الفنانة روان محي أن وجود بطاقة تعريفية بجانب الأعمال الفنية أمر في غاية الأهمية، وأن الفن يختلف عن أي قطعة أثاث أو عنصر يومي آخر؛ مضيفة: «نحن نعرف وظيفة الكرسي أو السرير منذ طفولتنا، لكن العمل الفني ليس شيئاً وظيفياً بحتاً، بل هو نتاج فكر وتأمل وبحث عميق، ووجود الشرح التعريفي يذكر المتلقي بأن هذا العمل لم يُنتج عشوائياً، بل يحمل رسالة ورؤية؛ لذا فإن البطاقة لا تخبره بما يراه فقط، بل تفتح أمامه نافذة لفهم السياق والمعنى».

وأوضحت أن الفن بطبيعته قائم على التعددية والذاتية، وأن الفنان قد يحمل رسالة معينة، لكن المتلقي يأتي بخلفيات وثقافات وتجارب مختلفة تجعله يقرأ العمل بطرق متنوعة، مستبعدة أن يتسبب وجود الشرح إلى جانب العمل الفني في تقييد عقل المشاهد؛ لأنه على العكس من ذلك، يعمق تجربته البصرية والفكرية، ويمنحه مفاتيح إضافية لفهم ما وراء الصورة.

وفيما إذا كان تعدد قراءات العمل الفني الواحد يخل بالرسالة التي يود الفنان توصيلها إلى المتلقي، بينت روان أن جمال الفن يكمن في أنه ليس قانوناً صارماً يفرض على الجميع، وأن الفنان يمتلك حرية التعبير، وكذلك المتلقي يمتلك حرية التفسير، مشيرة إلى أن الفن يتيح تعدد القراءات والتأويلات، وأن هذا ليست نقطة ضعف، بل عنصر قوة، وأن البطاقة التعريفية لا تفرض معنى واحداً، بل تضيف طبقة جديدة من الفهم دون أن تلغي حرية التلقي أو تقيد خيال المشاهد.