يتصدر كريستوفر نولان قائمة أقوى المخرجين الموجودين في الساحة اليوم، وهؤلاء المخرجون رغم ما يتمتعون به من نقاط قوة متباينة، لا يوجد بينهم اليوم سيد واحد لفن «التشويق» – أو على الأقل، لم يعودوا كذلك.
يتسم نولان بنوع من الترفع الفكري يمنعه من ذلك، وهذا نهج سلكه منذ البداية تقريباً (إذ يكتفي بخلق حالة من القلق على أفلامه، كما فعل بوضوح في فيلم «Dunkirk»). أما مارتن سكورسيزي، من جيل السبعينات والذي أثبت قدرته على صنع التشويق في فترات ماضية، خصوصاً في فيلمه «Cape Fear» عام 1991، فقد ترك آليات التشويق خلف ظهره تماماً في مرحلته الأخيرة المتسمة بالضخامة والملحمية. وماذا عن مخرج «بوند» المستقبلي دينيس فيلنوف؟ فرغم فيلمه «Sicario» إلا أنه لم يقترب من لقب سيد التشويق. ماذا عن ريدلي سكوت؟ لم يبرز في فيلمه Alien Covenant سوى مشهد واحد تشويقي في منتصف العمل، تميز بحيوية، وقد حشر حشراً بين مقاطع عدة من الهراء. كان ذلك المشهد صادماً لأنه بات الآن الاستثناء النادر، سكوت كما يبدو لنا، لم يعد يكترث. هذا الرجل الذي جعلنا في حالة من التوتر الشديد في فيلم Alien الأول عام 1979، مستخدماً مشاهد صمت طويلة لتعزيز الرعب، نراه الآن يدفع بدينزل واشنطن ليسرق الأضواء، في مشهد لا يثير في النفس سوى اللامبالاة، كما حدث في الجزء الثاني من فيلم Gladiator.
أفلام التشويق الرشيقة القائمة على أفكار أصيلة باتت مفقودة، ولقد أصبح جميع المخرجين المذكورين آنفاً متعالين على صنع التشويق في أفلامهم، وباتوا ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم مؤسسات ضخمة ولا يريدون الخوض في مشاهد يرونها تجريبية Experimental بالنسبة لهم. وينطبق الأمر ذاته على كوينتن تارانتينو، الذي يمتلك قدرات فائقة للقيام بذلك لو قرر النزول من عرشه. فبالنسبة لرجل يبجل «أفلام الدرجة الثانية» (B-movies) التي تربى عليها وبرع في صناعتها طول عقد التسعينيات وعقد الألفية وجعلها محبوبة لدى النقاد، نجد أن تارانتينو قد استسلم تماماً لهالة التمجيد والغرور المحيطة به، لدرجة منعته من تجريب أي شيء خارج نطاق أفكاره.
من الواضح أن سوق الإثارة والتشويق لا يزال قائماً، لكنه حتماً ليس على الشاشة الكبيرة. وإلا فما التفسير وراء اندفاع المشتركين في منصة نتفليكس بأعداد غفيرة على أفلام التشويق التي أنتجت في التسعينيات، والتي لم يحقق بعضها سوى نجاحات متواضعة آنذاك؟
أكبر مثال فيلم المخرج جون أميل Copycat عام 1995، ذلك الفيلم المشوق الذي نرى فيه هولي هنتر وسيغورني ويفر ينحيان خلافاتهما جانباً لكشف هوية قاتل متسلسل. عندما ظهر هذا الفيلم مجدداً على «نتفليكس» العام الماضي، قفز مباشرة إلى قائمة العشرة الأوائل.
والأمر نفسه انطبق على فيلم Double Jeopardy عام 1999 وهو عمل قد يبدو ساذجاً في حبكته لكنه مشحون بالتوتر، ويحاكي فيلم «The Fugitive»، حيث تُتّهم آشلي جود زوراً بقتل زوجها، وتبدأ في مراوغة ضابط مراقبة السلوك (تومي لي جونز، بالطبع).
نشاهد هذه الأفلام – التي تُعتبر «روائع كلاسيكية» في نظر جيلنا (قراء هذه الجريدة) لأن هناك بوضوح حلقة مفقودة في دور السينما الكبرى اليوم. فالتشويق هو رغبة لا يمكن إرضاؤها بأي وسيلة أخرى مهما حاولوا استبدالها بأسماء نجوم، أو ميزانيات ضخمة للمؤثرات البصرية، أو حتى مشاهد دموية مستفزة. ومن المؤكد أن مطالبتنا بتسارع نبضات قلوبنا ليس طلباً مبالغاً فيه.
فالأفلام، في نهاية المطاف، هي الفن الأقدر على صنع التشويق، فمنذ اللحظة التي أصبحت فيها السينما شكلاً فنياً، أدرك الرواد الذين خاضوا غمارها أن لا وسط آخر يستطيع فعل ذلك، يعني أن هذا الوسط يمتلك قدرة استثنائية تجعلنا نجلس على حافة مقاعدنا ترقباً.
التحدي الذي طرحه ألفريد هيتشكوك بوصفه «سيد التشويق» تلقفه من بعده مقلدون كثر، بدءاً من براين دي بالما وكلود شابرول، وصولاً إلى إم. نايت شيامالان وديفيد فينشر.
ولكن، أين نظراؤهم في هذا القرن؟ الإجابة الوحيدة شبه المنطقية تكمن في نوع «أفلام الرعب»؛ حيث أظهر مخرجون من أمثال جوردان بيل وجينيفر كنت وزاك كريجر براعة في هذا الصدد.
نادراً ما ينجح فيلم الرعب دون تشويق، أما سينمائياً، فإن القرن الذي تلى حقبة هيتشكوك يبدو غارقاً في النوم، أو متجاهلاً للتقنيات التي جعلته مشهوراً. هي فعلا فجوة غريبة في السوق.
