«منصات التواصل» وملامح الأدب العربي بين حدّي التأثير والجدوى

منصات التواصل غيّرت شكل الكتابة وأساليب القراءة
منصات التواصل غيّرت شكل الكتابة وأساليب القراءة

لم يعد الأدب العربي حبيس الكتب الورقية أو الندوات الثقافية المغلقة، بل انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء رقمي مفتوح فرضته منصات التواصل الاجتماعي، التي غيّرت شكل الكتابة وأساليب القراءة وحتى صورة الكاتب نفسه.

فمع الانتشار الواسع لمنصات مثل «فيسبوك وإكس وتيك توك وإنستغرام»، ظهرت أجيال جديدة من الكتّاب والقرّاء الذين يتعاملون مع الأدب بطريقة مختلفة تماماً عما كان عليه الحال قبل عقدين فقط.

ويرى نقاد ومثقفون أن هذه المنصات أحدثت «ثورة حقيقية» في المشهد الأدبي العربي، بينما يعتبر آخرون أنها ساهمت في انتشار النصوص السطحية السريعة على حساب القيمة الفنية والعمق الفكري.

أصبح القارئ اليوم يميل إلى النصوص القصيرة والمكثفة التي يمكن قراءتها خلال دقائق أو حتى ثوانٍ، وهو ما دفع كثيراً من الكتّاب إلى تبسيط أساليبهم والاعتماد على الجمل المؤثرة والخواطر المختصرة.

وفي هذا السياق؛ تقول الناقدة الأدبية الدكتورة هالة فؤاد، في تصريح لـ«البيان»، إن «وسائل التواصل الاجتماعي فرضت شكلاً جديداً من الأدب يعتمد على السرعة والاختزال، وهذا لا يعني بالضرورة تراجع الجودة، لكنه غيّر الذائقة العامة للقارئ العربي».

وأضافت أن الأجيال الجديدة أصبحت تتفاعل مع الاقتباسات والكتابة السريعة أكثر من الروايات الطويلة أو المقالات النقدية المعمقة، وهو ما دفع الأدباء إلى إعادة التفكير في طريقة تقديم النص.

الكاتب لم يعد بعيداً

يؤكد الكاتب أحمد عصمت أن «السوشيال ميديا منحت الأدباء فرصة للوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى مؤسسات النشر التقليدية»، مشيراً إلى أن «كثيراً من المواهب العربية الشابة ظهرت بفضل المنصات الرقمية قبل أن تنتقل إلى النشر الورقي».

لكن عصمت يحذر في الوقت نفسه من أن «السعي وراء التفاعل والترند قد يدفع بعض الكتّاب إلى تقديم محتوى سريع يحقق الانتشار فقط، دون الاهتمام بالقيمة الأدبية الحقيقية».

وترى الباحثة المصرية المتخصصة في الثقافة الرقمية، مريم الكعبي، أن «الأدب العربي دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الكتابة مع التكنولوجيا»، موضحة أن «الكاتب المعاصر لم يعد يعتمد على الكلمة وحدها، بل أصبح يوظف الصورة والموسيقى والفيديو للوصول إلى الجمهور».

وتتابع: «هذا التحول ساعد على جذب الشباب نحو القراءة، حتى وإن اختلف شكلها التقليدي».

ويقول الناقد المصري الدكتور يوسف عبدالعزيز إن «منصات التواصل منحت الجميع فرصة الكتابة، لكن المشكلة تكمن في غياب المعايير النقدية»، موضحاً أن «عدد المتابعين لم يعد دليلاً على القيمة الأدبية».

ويتابع: «هناك أعمال أدبية مهمة لم تحظَ بالانتشار لأنها عميقة وتحتاج إلى قارئ متأنٍ، بينما تحقق النصوص السطحية ملايين المشاهدات بسبب سرعتها وسهولة تداولها».

مستقبل

ويؤكد مراقبون أن الأدب العربي يقف اليوم أمام مرحلة تحول تاريخية تشبه التحولات التي صاحبت ظهور الصحافة والطباعة في العصور السابقة، حيث تتغير أدوات التعبير دون أن يختفي جوهر الأدب نفسه.

وبين من يعتبر منصات التواصل فرصة ذهبية لنشر الثقافة، ومن يراها تهديداً للكتابة العميقة، يبقى المؤكد أن الأدب العربي دخل عصراً جديداً فرضته التكنولوجيا، وأعاد تشكيل العلاقة بين الكاتب والقارئ والنص الأدبي.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، يبدو التحدي الأكبر أمام الأدباء العرب هو الحفاظ على جودة الكلمة وعمق الفكرة، في زمن تحكمه السرعة والصورة والتفاعل اللحظي.