الملكة الغامضة.. هل حكمت ميريت نيث مصر قبل 5 آلاف عام؟

صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، التُقطت قبل أكثر من سبعة عقود، تعيد فتح سؤال عمره نحو 5 آلاف عام، هل كانت ميريت نيث مجرد ملكة ووصية على العرش، أم أنها تولت الحكم في مصر القديمة بصفتها ملكا؟ فقد أعادت باحثتان فحص صورة لقطعة أثرية فُقد أصلها منذ عقود، واستخدمتا تقنيات رقمية لتحسين العلامات الهيروغليفية الظاهرة عليها، لتصلا إلى قراءة تشير إلى احتمال ارتباط اسم ميريت نيث بعلامة ملكية ارتبطت بحكام الأسرة الأولى.

ختم مفقود.. وصورة بقيت وحدها

تعود القصة إلى عام 1946، عندما عثر عالم الآثار البريطاني والتر ب. إيمري في سقارة على 13 سدادة من الطين كانت تُستخدم لإغلاق الجرار والأوعية، وتحمل إحداها على الأقل بصمات أختام تضم أربعة رموز ملكية تعرف باسم «السِرخ». هذه العلامة، المعروفة باسم السِرخ، كانت تُستخدم في بدايات التاريخ المصري كإطار ملكي مستطيل لتأطير اسم الحاكم وإبراز صفته الملكية.

لكن القطع الأصلية اختفت لاحقا، كما فُقدت اللوحة الزجاجية الأصلية التي التُقطت منها الصورة. وبقي في الأرشيف فقط تصوير فوتوغرافي قديم بالأبيض والأسود، إلى جانب رسم نشره إيمري في تقريره. وهكذا أصبحت صورة باهتة هي الدليل الرئيسي المتاح لإعادة فحص النقش.

اسم ميريت نيث يظهر من جديد

كان إيمري قد رأى أن السِرخين الأول والرابع يرتبطان بالملك جر، بينما اعتقد لاحقًا أن السِرخين الموجودين بينهما يعودان إلى ميريت نيث. لكن قراءته ظلت موضع خلاف، خصوصًا بسبب رداءة الصورة المنشورة، التي جعلت من الصعب تحديد العلامات الموجودة داخل السِرخين بدقة، وفق تقرير لموقع "The Conversation".

في الدراسة الجديدة، أعادت سو كيلي وكريستال ميلر معالجة نسخة رقمية من الصورة باستخدام سلسلة من الخطوات، شملت عزل العلامات الهيروغليفية، وعكس الألوان، وتحويل حدودها إلى رسم متجهي قابل للتحليل. والنتيجة، بحسب الباحثتين، أظهرت أن العلامات الموجودة في موضع الاسم داخل السِرخين الثاني والثالث تتوافق مع العلامة الأساسية المستخدمة في كتابة اسم ميريت نيث.

لماذا يغيّر السِرخ القصة؟

تكمن أهمية القراءة الجديدة في أن السِرخ لم يكن مجرد طريقة لكتابة اسم شخص ملكي، بل كان علامة مرتبطة بالحاكم في مصر خلال تلك المرحلة المبكرة. ولذلك ترى كيلي وميلر أن ظهور اسم ميريت نيث ضمن هذا الإطار يدعم اعتبارها «ملكا أنثى»، أي حاكمة تحمل مكانة ملكية مكافئة للحاكم الذكر، وليس مجرد «ملكة» بالمعنى التقليدي. وتضع الدراسة هذا الدليل إلى جانب مجموعة أخرى من الشواهد التي تشير إلى نفوذها السياسي.

وميريت نيث ليست شخصية مجهولة في التاريخ المصري. فقد ارتبط اسمها بمجمع جنائزي ملكي في أبيدوس، كما تظهر في أدلة أخرى مرتبطة بالإدارة الملكية، وتظهر على أختام مرتبطة بمقبرة ابنها دن بلقب «أم الملك». وتشير الأدلة مجتمعة إلى أنها كانت صاحبة نفوذ سياسي استثنائي في بدايات الأسرة الأولى.

الباحثتان لا تقترحان بالضرورة أن ميريت نيث حكمت طوال حياتها بالطريقة نفسها، بل تطرحان احتمال مرور مسيرتها السياسية بمراحل مختلفة. فقد تكون شاركت في الحكم مع جر، ثم تولت دور الوصاية على ابنها دن عندما كان صغيرًا، وربما مارست السلطة في مرحلة أخرى بصورة أكثر استقلالًا. وتشير الدراسة إلى أن مسارها السياسي ربما امتد لنحو 30 عامًا بأدوار مختلفة. والملك "جر" هو أحد ملوك الأسرة المصرية الأولى، ويُعتقد أنه حكم مصر بعد الملك حور عحا، نحو 3100 قبل الميلاد تقريباً.

لكن هذه القراءة ليست محل إجماع. فقد فحصت عالمة التاريخ بجامعة هومبولت في برلين إيفا-ماريا إنغل التحسينات الرقمية المنشورة، وخلصت إلى قراءة مختلفة، معتبرة أن السِرخين لا يثبتان وجود اسم ميريت نيث، وأن النقش قد يشير إلى الملك جر فقط. وهذا الاعتراض مهم لأن القطعة الأصلية نفسها مفقودة، ولا توجد اليوم سوى الصورة القديمة التي يُعاد تفسيرها.

دليل جديد.. وليس نهاية الجدل

لذلك لا تقدم الصورة القديمة شهادة نهائية بأن ميريت نيث كانت «أول فرعون أنثى» في مصر، لكنها تضيف قطعة جديدة إلى ملف تاريخي معقد. وإذا صحت قراءة الباحثتين، فإنها تعني أن امرأة في بدايات الدولة المصرية الموحدة حملت في مرحلة من حياتها واحدة من أهم علامات السلطة الملكية، قبل قرون طويلة من الملكات الشهيرات مثل حتشبسوت.

وبينما لا تزال هوية صاحبة السِرخ محل نقاش، تكشف القصة شيئًا آخر أكثر إثارة: أحيانًا لا يحتاج علماء الآثار إلى اكتشاف مقبرة جديدة لإعادة كتابة سؤال قديم؛ فقد تكون صورة واحدة لقطعة أثرية مفقودة منذ عقود كافية لإعادة النظر في مكانة امرأة عاشت قبل أكثر من 5 آلاف عام.

1
1

50
50