جانب من معروضات مشروع «قبل أن تتلاشى» الغني بالقيم والجماليات
بين أطلال الذاكرة المنسية وظلال الماضي التي يهددها الغياب، ينبثق مشروع «قبل أن تتلاشى» كجسر ضوئي يربط بين تكنولوجيا المستقبل وأكثر مشاعر الإنسان عمقاً. إنه ليس مجرد عرض تقني، بل رحلة استعادة للذات، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد خوارزميات صماء إلى ريشة فنان تعيد رسم ملامح الحياة لمن سرقهم «الزهايمر» من حاضرهم.
هذا المزيج الفريد بين الابتكار والرعاية الصحية هو ثمرة تعاون رائد بين مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي، ومؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، وشركة «دومستيك داتا ستريمرز» الإسبانية. ولم يغفل المشروع الهوية الثقافية، إذ تم تدريب النماذج على صور أرشيفية من تاريخ الإمارات لضمان أن تكون الذاكرة الرقمية مطابقة للواقع الثقافي والاجتماعي المحلي.
وفي خطوة لتعزيز الوعي المجتمعي، تمت مشاركة نتائج هذه التجربة والذكريات المستعادة في النسخة الـ14 من مهرجان سكة للفنون والتصميم التي اختُتمت أخيراً، إضافة إلى إنتاج فيلم وثائقي يستعرض رحلة المرضى مع هذه التقنية، بهدف تسليط الضوء على تحديات مرض الزهايمر وكيفية تسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإنسانية.
«قبل أن تتلاشى» هي دعوة مفتوحة للتأمل في قيمة الذاكرة والهوية تثبت أن التكنولوجيا حين تتوافر لها اللمسة الإنسانية يمكنها أن تفعل المعجزات، ليس في علاج الأمراض فحسب، بل في الحفاظ على جوهر الإنسان وكرامة تاريخه الشخصي.
وفي هذا المشروع الإنساني، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإنتاج ذكريات ليست وهمية، ولكنها إعادة تجسيد رقمي للحظات حقيقية في مخيلة المرضى. ومن خلال تحويل الحكايات الشخصية المبعثرة إلى محتوى بصري نابض، يهدف المشروع إلى تحفيز الاستجابة النفسية والعاطفية للمصابين، مانحاً إياهم فرصة استعادة ذواتهم التي توارت خلف ضباب النسيان.
شهادات حية
«قوارب الطفولة»، «صمت البحر»، «قبل ما يدق الجرس»، «بين الأرض والهواء»، وغيرها من الحكايات، جسدتها شهادات حية لتتجاوز مجرد كونها ذكريات مستعادة أو صوراً عابرة، وتغدو لوحات بصرية مغموسة في تراب الإمارات وبحرها، تروي قصصاً لرجل (67 عاماً) استعاد ماضيه وهو يرى قوارب الخشب الصغيرة التي كان يصنعها، وآخر (77 عاماً) تشكّلت أمام عينيه رمال الصحراء الممتدة.
حيث كان الخيال يملأ المساحات الفارغة، وأقدام الأطفال الحافية تترك أثراً يمحوه اللعب ويبقى في الذاكرة، وسيدة (71 عاماً) استرجعت ليالي الصيد مع والدها بعد الغروب؛ تلك اللحظات التي لم تكن تحتاج إلى كلمات، بل كان الهدوء هو اللغة الوحيدة بين الابنة وأبيها والبحر، وأخرى (71 عاماً) انبعثت في مخيلتها تفاصيل الساحة المدرسية والزي الأخضر الفاتح، لتعيد إحياء شعور الانتماء الذي تشكل في لحظة طفولية عفوية.
نورة المهري
وفي إطار السعي المستمر لتعزيز ثقافة الابتكار وتحويل الأفكار العالمية إلى واقع ملموس يخدم المجتمع الإماراتي، تكشف نورة المهري، من مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي التابع لمكتب رئاسة مجلس الوزراء، في تصريح لـ«البيان»، عن تفاصيل مشروع «الذكريات الاصطناعية» الذي يمثل قفزة نوعية في دمج الذكاء الاصطناعي بالرعاية الصحية الإنسانية.
وتوضح المهري أن دور المركز يتمحور حول استقطاب المشاريع المبتكرة من مختلف أنحاء العالم، وإعادة صياغتها وترجمتها بما يتناسب مع السياق المحلي لدولة الإمارات. وتقول: «لا نكتفي بنقل التجربة، بل نبحث عن الكيفية التي يمكن بها لهذه المشاريع أن تحقق أثراً حقيقياً ومستداماً داخل الدولة».
وتبيّن أن المبادرة تخضع حالياً لتجارب سريرية تهدف إلى قياس مدى تأثير هذا النوع من التكنولوجيا في تحسين الحالة الذهنية والذاكرة لدى المصابين بالزهايمر، مضيفة:
«إلى جانب الشق الطبي، لدينا هدف أسمى، هو توثيق تاريخ دولة الإمارات وهويتها من خلال عيون وذكريات هؤلاء المرضى، ما يجعل من الذاكرة الفردية جزءاً من الأرشيف الوطني». وتشير إلى أن المركز يعمل على مشروع طموح يهدف إلى تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتوثيق وعكس تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة بكل دقة وأمانة.