تلعب ورش الكتابة الإبداعية والبرامج التأهيلية في دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً محورياً في تشكيل وعي الكاتب وصقل تجربته وإثراء معارفه، وتتيح منصة لتبادل الرؤى والأفكار والتجارب، فضلاً عن أنها تكشف المواهب وترفد الساحة بكفاءات جديدة.
وقالت الكاتبة والدكتورة عائشة الجناحي: «أرى أن برامج التأهيل والدورات الإبداعية تنير للكاتب ملامح الطريق نحو المستقبل، لكنها لن توصله إلى غايته دونما جهد حقيقي منه. فهي تساعده على فهم أسرار السرد، وبناء الشخصيات، والتناغم مع إيقاع الحكاية، وتمنح الكاتب ثقة أكبر في أدواته، ووعياً بما يكتب ولماذا يكتب».
وتابعت: «إن الرواية لا تولد في قاعة تدريب، بل تنضج في العزلة، والقراءة المستمرة، والتجربة الإنسانية العميقة في مواقف الحياة المختلفة. فالدورات تُعلّمنا «كيف نكتب»، لكنها لا تخلق تلك الشرارة الداخلية ولا تحلّ محل الصبر، والتجربة».
وأوضحت أن الروائي القادر على بناء تجربة سردية ناضجة هو من يجعل من كل دورة وورشة إبداعية نقطة انطلاقته، لا نقطة وصوله، ويحول ما يتعلمه إلى ممارسة مستمرة، يخطئ فيها، ويعاود الكتابة مراراً بلا كلل، حتى يصبح صوته أكثر صدقاً وقرباً من القراء.
وأشارت إلى أن المسألة ليست بعدد الورش التي نحضرها، بل مقدار الصدق الذي نضعه في كل ما نكتب، مضيفة: «السرد الحقيقي لا يبحث عن الإتقان وحده، بل عن أثرٍ يبقى، وعن حكاية تشبه الإنسان في ضعفه وقوته وإصراره. وحين يكتب الروائي من هذا العمق، تصبح كل أداة تعلمها وسيلة وغاية لاكتشاف ذاته أولاً، قبل أن تكون وسيلة لإبهار القارئ».
من جهتها، أكدت الكاتبة إيمان اليوسف أن مجالات الإبداع ازدهرت بشكل لافت عبر المنصات الإلكترونية، وأصبح هناك انتشار واسع للورش والبرامج التي من شأنها أن تصقل المواهب الأدبية والسردية والإبداعية، لافتة إلى أهمية وعي الكاتب وقدرته على التمييز بين البرامج الجادة والصادقة والعميقة، وتلك التي تقدم فعلًا معرفة حقيقية وإثراءً لتجربة الكاتب وبين غيرها من التجارب السطحية.
وترى أن ورش الكتابة الإبداعية أساسية لأي مبدع يعمل في مجال الكتابة ويسعى إلى تطوير أدواته، حيث تزداد أهميتها في البدايات الأدبية، مضيفة:
«لكن ذلك لا يمنع فائدتها في مختلف مراحل الكتابة والإبداع فعلى المستوى الشخصي، أنا أعمل في مجال الكتابة منذ سنوات طويلة، ولم أتوقف عن حضور الدورات أو الاشتراك في البرامج والورش، لأن تبادل الخبرات أمر بالغ الأهمية، ولأن تقنيات الكتابة والمدارس السردية والأدبية في تطور مستمر لا يتوقف».
وقالت: «إن احتكاك الكاتب بالمبدعين ضمن إطار واعٍ وناضج هو تجربة لا بديل عنها، وهي ضرورية في بدايات الكاتب، كما أنها تظل مهمة في المراحل المتقدمة حتى لمن يمتلك خبرة طويلة، أن يعود بين فترة وأخرى لخوض هذه التجارب والانضمام إلى الورش، سواء من موقع المتدرب أو المدرب، والحمد لله، في دولة الإمارات وتحت قيادتها الرشيدة، نلمس وعياً ثقافياً عالياً يتجلى في كثرة المبادرات والورش التي يشارك فيها عدد كبير من الكتاب في مختلف المجالات السردية».
من جهته، يرى الكاتب علي الطنيجي أن برامج التأهيل والورش الإبداعية تلعب دوراً داعماً ومهماً في مستقبل الكاتب، لكنها ليست العامل الحاسم وحده في صناعة روائيين يمتلكون تجربة سردية ناضجة، فهي تزود الكاتب بالأدوات التقنية اللازمة، مثل فهم بنية السرد، وتطوير الشخصيات، والوعي بأساليب اللغة، مما يختصر عليه سنوات من التجريب العشوائي.
ولفت إلى أن النضج السردي الحقيقي في تقديره يتشكل من تفاعل ثلاثة عناصر أساسية: الموهبة، والممارسة الطويلة، والتجربة الحياتية، مضيفاً: «قد تعلم الورش كيف يُكتب النص، لكنها لا تصنع بالضرورة ما يُكتب؛ إذ إن العمق الإنساني، وصدق التجربة، والقدرة على التقاط التفاصيل، تنمو مع القراءة الواسعة والاحتكاك بالحياة».
وأردف: «يمكن لبرامج التأهيل والورش الإبداعية تمهيد الطريق واختصار المسافة على الكاتب الجديد، لكنها لا تعفيه من الرحلة الشاقة نحو النضج، تلك الرحلة التي تصنعها القراءة العميقة، والكتابة المستمرة، والوعي الذاتي بالتجربة الإبداعية».

