الشعر والخط.. ملحمة جمال تعانق روح الحرف العربي

علاقة عميقة تربط بين الشعر وفن الخط العربي
علاقة عميقة تربط بين الشعر وفن الخط العربي

بين أبيات القصيدة وانحناءات الحرف العربي تتشكل حكاية فنية تمتد عبر القرون، حيث يتجاوز الخط مجرد كونه وسيلة كتابة، ليصبح لغة بصرية تنبض بروح النص. وفي هذا التقرير نقترب من عوالم خطاطين يرون في الحرف موسيقى مرئية، وفي الشعر نبضاً يمنح الحروف حياتها، لنكتشف كيف يتعانق الأدب وفن الخط في صياغة جماليات تحفظ قدسية الكلمة، وتمنحها أفقاً بصرياً لا ينتهي.

ويؤكد الخطاط الإماراتي خالد الجلاف، لـ«البيان»، وجود علاقة عضوية وفلسفية عميقة تجمع بين فن الخط العربي وبين الشعر والنثر والفكر، موضحاً أن الخطوط العربية، بطبيعتها وتنوعها، تؤدي وظائف تتجاوز الجانب الجمالي، لتصل إلى مستويات متفاوتة من القوة التعبيرية والإبداع الفني الذي يحاكي مضمون النص المكتوب.

وفي معرض حديثه عن مواءمة الخط لنوع الأدب، يرى الجلاف أن خط «النستعليق» مثلاً هو الأنسب للشعر الفارسي؛ نظراً لما يتميز به هذا الخط من مدود تتناغم بشكل بديع مع طبيعة القصيدة الفارسية.

مشيراً إلى أن أشعار المتنبي، في المقابل، التي تفيض بالقوة والشجاعة والفروسية، لا تناسبها رقة النستعليق، بل تستوجب خطوطاً ذات هيبة مثل «خط الثلث» القوي أو «الخط الكوفي».

ويصف الخط الكوفي بأنه يتميز بزواياه الحادة وألفاته المستقيمة وارتفاعاته الشاهقة، وهي سمات تعكس القوة الجزلة الموجودة في الشعر العربي الكلاسيكي، مشدداً على أن اختيار الخط يعتمد أيضاً على «الوظيفة»؛ فليس كل خط جميل يصلح لكل نص.

ويختتم الجلاف رؤيته بالإشارة إلى أن كتابة المصحف الشريف تتطلب خطوطاً تجمع بين الهيبة والوضوح والجمالية المطلقة، وهو ما يتوافر في خطي «النسخ» و«الثلث»، اللذين يظلان أيضاً الأبرز في تخليد عيون الأدب والشعر العربي.

وفي عوالم الخطاط والتشكيلي السوداني تاج السر حسن، لا يقف الحرف عند حدود الوظيفة التواصلية، بل يتحول إلى كيان صوفي يستمد حياته من قدسية النص وعمق التاريخ.

ففي حديثه عن تجربته الفنية الممتدة، يضعنا تاج السر أمام رؤية مغايرة، يمتزج فيها انضباط القواعد الكلاسيكية بحرية الريشة التشكيلية. ويؤكد تاج السر أن جوهر عمل الخطاط يكمن في النص.

فمنذ فجر الإسلام، تطور الخط العربي عبر توثيق المخطوطات، وتأثر بالتباين الجغرافي والثقافي للخطاطين، ما أنتج تنوعاً مذهلاً بين الكوفي المشرقي، والمغربي، والقيرواني، وصولاً إلى «ثلث المملوكي».

وعن تجربته الشخصية، يوضح تاج السر أنه لا يبدأ لوحة إلا بوحي من إلهام النص.

ويلفت إلى أن النص الشعري، في هذا السياق، برز كمحرك أساسي لريشته؛ إذ جسّد كلمات الشاعر عبد الرحيم محمود «سأحمل روحي على راحتي»، وتفاعل مع وجع محمود درويش في قصيدة «بيروت»، وتساؤلات عبدالوهاب البياتي الوجودية.

باعتباره خريج كلية الفنون الجميلة، يدمج تاج السر بين الانضباط الكلاسيكي والحرية التشكيلية؛ فهو يرى في العمود ألفاً، وفي الحركات العرضية باءً، محوّلاً العناصر المعمارية والكونية إلى أبجدية بصرية.

ويختتم رؤيته قائلاً: «أرسم كما أخط. المعرفة بهندسة الحروف تجعل النص يُستبطن ويتحرك، وإذا ما امتزج بالخيال اللوني نكون أمام مشروع فني لا ينتهي».

وفي حديث مفعم بالجمال، يكشف الخطاط الأكاديمي الدكتور نصار منصور عن ملامح العلاقة العميقة والوطيدة التي تربط بين ديوان العرب (الشعر) وفن الخط العربي، معتبراً أن الاثنين ينبعان من مشكاة واحدة، هي الموسيقى، وإن اختلفت أدوات التعبير.

ويرى الدكتور منصور أن الشعر فن سمعي بامتياز، بينما يمثل الخط الفن البصري المقابل له، وأن كليهما يشترك في كونه «موسيقى»، موضحاً أن الخطاط المتمكن لا يكتفي برسم الحروف، بل يعمل كـ«مترجم بصري» للمشاعر والحِكم الكامنة في القصيدة.

ويضرب منصور مثالاً على ذلك باستخدام عنصر «التضاد الفني»؛ فحينما يخط بيت المتنبي الشهير: «وإذا كانت النفوسُ كباراً.. تعبت في مرادها الأجسامُ»، فإنه يطوع الحرف لخدمة المعنى، كأن يمنح كلمة «كباراً» حجماً طاغياً يجسد عظمة النفس، في مقابل إضفاء مسحة من «التعب التشكيلي» على الحروف التي ترسم معاناة الأجسام.

وفي تجربة فنية أخرى تتعلق بشعر أبي الطيب أيضاً، يستعرض منصور فلسفته في ترتيب الكلمات داخل اللوحة، مشيراً إلى تعامله البيت الشهير: «الرأيُ قبل شجاعة الشجعان.. هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني».

حيث تعمَّد في تكوينه الخطي جعل كلمة «الرأي» تتقدم بصرياً وتتصدر المشهد، تأكيداً للمعنى الفلسفي الذي أراده الشاعر بتقديم الحكمة على القوة البدنية. ولم يغفل الدكتور نصار منصور الجانب التاريخي لهذه العلاقة، موضحاً أن كبار أعلام الخط العربي عبر العصور كانوا شعراء أيضاً، كابن مقلة الذي كان يجمع بين البراعة في الخط ونظم الشعر.