«تذكرة الكحّالين» للكحّالحين بلغ طب العيون ذروته في الحضارة الإسلامية

لم يكن الطب في الحضارة الإسلامية علماً للجسد وحده، بل علم للأمانة والمسؤولية، فالطبيب لم يكن معالجاً فحسب، بل صاحب رسالة أخلاقية، يُدرك أن الخطأ في العلاج قد يُفقد الإنسان أعزّ حواسه..

وكانت العين في مقدمة ما استوقف الأطباء العرب والمسلمين، لما لها من حساسية بالغة، ولارتباطها المباشر بإدراك العالم والعبادة والعمل. ومن هذا الوعي العميق، نشأ علم «الكحّالة» بوصفه تخصصاً طبياً مستقلاً، بلغ ذروته في كتاب «تذكرة الكحّالين» لعلي بن عيسى الكحّال، أحد أعمدة الطب الإسلامي في القرن العاشر الميلادي.

تُعدّ موسوعة طب العيون «تذكرة الكحّالين» أشهر وأكمل ما أُلّف في طب العيون في الحضارة الإسلامية، لعلي بن عيسى الكحّال، الذي عُرف بتفرّغه لهذا التخصص ودقته فيه.

فلم يكن الكتاب مختصراً تعليمياً، بل مرجعاً طبياً شاملاً، اعتمد عليه الأطباء لقرون في العالم الإسلامي ثم في أوروبا لاحقاً.. وقد كُتب الكتاب بلغة علمية واضحة، تجمع بين الوصف الدقيق، والخبرة العملية، والتنبيه الأخلاقي، ما جعله دليلاً للطبيب الممارس، لا مجرد نص نظري.

قُسّم «تذكرة الكحّالين» إلى ثلاث مقالات كبرى، تُظهر نضج التصنيف الطبي لدى مؤلفه، وسبق الطب الحديث في تنظيم يُحاكي فهم العين طبياً.

المقالة الأولى

في تشريح العين ووظائف أجزائها، حيث يشرح بنية العين شرحاً دقيقاً، تمهيداً لفهم عللها، وهو منهج علمي متقدّم يربط بين التشريح والعلاج.

المقالة الثانية

في أمراض العين الظاهرة، مثل أمراض الجفون، والرمد بأنواعه، والتهابات السطح الخارجي للعين، مع بيان الأعراض وطرق المعالجة.

المقالة الثالثة

في أمراض العين الباطنة المسببة الأذى للعين، وضعف البصر، ويعرض فيها أمراضاً أكثر تعقيداً، مع وصف دقيق للأدوية المركبة، والتنبيه إلى ما يجوز علاجه وما ينبغي التوقف عنده.

ويُفرد الكتاب حيّزاً مهماً للأكحال والمراهم، مع تحديد مقاديرها وطريقة تحضيرها، وهو ما يكشف حسّاً تجريبياً واضحاً.

أهمية الكتاب العلمية

وإن تساءلنا لماذا ظل تذكرة الكحّال مرجعاً قروناً؟ فأهميته ليس فقط أنه أول موسوعة متكاملة مستقلة في طب العيون، بل أول عمل موسوعي يجعل العين علماً قائماً بذاته، من تشريح وأمراض وأدوية وأخلاقيات علاج.

فكان تحولاً تاريخياً، بعد أن كانت أمراض العين تُذكر ضمن كتب الطب العام، ليصبح تذكرة الكحّالين كأنه كتاب من داخل العيادة، فلا يعتمد على النقل وحده، بالإضافة إلى أنه مليء بعبارات التحذير والتجربة، ويفرق بين ما يُعالج وما يُترك. فالطبيب علي بن عيسى الكحّال، يُعرّف أن الخطأ يعني العمى، ويشرح الأسباب.

وهذا ما أعطاه ثقة الأطباء قروناً طويلة، بعد منهجه التصنيفي وهو منطق علمي ما زال معتمداً في تدريس العيون حتى اليوم، بتفكيره الطبي المنظم. لذا هو الكتاب العربي الطبي الأكثر تأثيراً في مجال العيون.

الترجمة من بغداد إلى أوروبا

ترجمت تذكرة الكحّالين إلى اللاتينية في العصور الوسطى، واعتمدتها الجامعات الأوروبية قروناً بوصفها المرجع الأساسي لطب العيون، فلم يكن تأثيرها ثقافياً فقط، بل تعليمياً ومهنياً مباشراً، وتمثل روح الطب الإسلامي الأخلاقية، فلا يفصل الكتاب بين العلم والضمير.

ويحذر من التسرع والطمع العلاجي، والتجربة على حساب المريض، بعد إثباته الدقة، معتمداً على الملاحظة والتجربة، وتعبيره يجمع بين العلاج والأخلاق، مثل تحذيره من التسرع ما قد يؤدي إلى فقدان البصر، مع خلاصة طبية ناجحة في التعامل مع العين..

وهذا يجعله نموذجاً للطب الإسلامي، بوصفه علماً وأخلاقاً معاً، وهكذا أسهم الكتاب في نقل المعرفة الطبية الإسلامية إلى الغرب، وكان جسراً علمياً حقيقياً بين الحضارات.

المخطوطات والمادة البصرية

توجد مخطوطات «تذكرة الكحّالين» في عدد من المكتبات العالمية، من بينها، المكتبة البريطانية، ومكتبة الفاتيكان، ودار الكتب المصرية، ومكتبات رقمية حديثة تتيح نسخاً مصورة.

نسب الطبيب

شرف الدين علي بن عيسى الموصلي الكحّال طبيب عربي عاش في القرن الخامس الهجري، ويُرجَّح أنه توفي نحو سنة 430هـ/1010م. من مواليد بغداد، اشتهر بتفرغه لطب العيون، حتى لُقّب بالكحّال، وهو لقب مهني لا وصفي.

بينما اسم الطبيب الثابت في المصادر هو علي بن عيسى، ولقبه الشهير الكحّال، إذ غلب لقبه المهني على اسمه، في دلالة على أن شهرته قامت على تخصصه لا على موطنه، وهو ما يعكس روح الطب في الحضارة الإسلامية، حيث يُعرَف الطبيب بإتقانه، وهذا هو البُعد الحضاري اللافت.

«تذكرة الكحّالين» أشهر وأكمل ما أُلف بطب العيون في الحضارة الإسلامية

كُتب بلغة علمية واضحة تجمع بين الوصف الدقيق والخبرة العملية والتنبيه الأخلاقي ما جعله دليلاً للطبيب الممارس

الكتاب انتقل من الحضارة الإسلامية ليُدرَّس في العالم كله

يُفرد «تذكرة الكحّالين» حيّزاً مهماً للأكحال والمراهم مع تحديد مقاديرها وطريقة تحضيرها

أول عمل موسوعي يجعل العين علماً قائماً بذاته من تشريح وأمراض وأدوية وأخلاقيات علاج

لقبه الشهير الكحّال دلالة على أن شهرة هذا الطبيب قامت على تخصصه ما يعكس روح الطب في الحضارة الإسلامية

المصادر:

سرد مخطوط تذكرة الكحّالين، على موقع جامعة الإمارات العربية المتحدة.

ابن أصيبعة: طبقات الأطباء.

ويل ديورانت: قصة الحضارة.