فالأسرة ليست مجرد رابطة دم، بل هي مخزونٌ من الذكريات والأماكن والحكايات التي تشكل الهوية.
وفي هذا السياق، تأتي إبداعات إماراتية لتحول تفاصيل الحياة الأسرية البسيطة إلى لغة بصرية تحفظ كيان الأسرة من التلاشي.
هذا الترابط الذي يؤكد أن الفن هو الوعاء الذي يحفظ للأسرة تاريخها الشفهي ويمنحه حياةً متجددة.
مشيرةً إلى أن رحيل جدها ومن ثم جدتها أدى إلى إغلاق باب البيت وتوقف التجمعات العائلية المعتادة في أيام الجمعة وشهر رمضان، ما جعل من التوثيق ضرورة لحفظ هذا الإرث الأسري.
وفي استعراضها لمحتويات العمل، أفادت سارة الزعابي أن البيت كان ينقسم إلى جزأين: قديم يعود لنهاية الستينيات ويحمل قيمة معمارية لكونه أحد أوائل بيوت جميرا، وجديد بُني في منتصف التسعينيات، مستذكرةً شجرة اللوز التي تجاوز عمرها 50 عاماً.
وذكرت أنها اختارت الوقوف مكان الشجرة في لوحة فنية لتمثيل دورها المحوري في طفولة العائلة، لافتةً إلى أن إحدى اللوحات تجسد جلسة جدها المعتادة وقت العصر لمراقبة «الفريج».
حيث حرصت على إبراز إيماءات يده التي كانت تميز أسلوبه في الحديث. وأشارت إلى لوحات توثق تفاصيل دقيقة، مثل جلسة الجدة في «الليوان» وقت «الفوالة»، ومشهد الجد وهو يزاول بعض المهام اليومية البسيطة.
مؤكدةً أنها فضلت عدم إظهار وجهها في هذه المشاهد لتركيز الضوء على الذاكرة الجماعية لا الشخصية.
ذاكرة لا تُمحى
موضحةً أن قرار إخفاء ملامح الوجه في صورها لم يكن محض مصادفة، بل كان خياراً فنياً متعمداً يهدف إلى استحضار مفهوم «الشبحية» داخل فضاء المنزل. وأكدت أن فكرة إخفاء الوجه تنبع من طبيعة الذاكرة الإنسانية عند فقدان الأحبة؛ حيث قالت:
«حين نحاول استرجاع ذكرى شخص غادرنا أو توفي، غالباً ما تخوننا الذاكرة في استحضار تفاصيل الوجه بدقة، لكننا نجد أنفسنا نتذكر تفاصيل أخرى أكثر عمقاً، مثل تجاعيد اليدين، أو حركات جسدية معينة، أو تصرفات عفوية مميزة».
وفيما يخص الجانب التقني، أشارت إلى تحول في أسلوبها الذي كان يميل سابقاً إلى المثالية؛ فقد اختارت في هذا المشروع صورة ليد تبدو خارج نطاق التركيز، حيث كان التركيز البصري منصباً على الباب بدلاً من اليد.
الحنين إلى الماضي
مشيرةً إلى أن ارتباطها بالمكان نشأ وتطور عبر حكايات والدها التي كانت تصف بدقة تفاصيل الحياة اليومية، وأماكن اللعب، والعلاقات الاجتماعية مع الجيران في ذلك الوقت.
وفي سياق حديثها عن الرؤية البصرية للمشروع، ذكرت الفنانة أنها عمدت إلى تصوير نفسها داخل أطلال المكان المهجور وهي تمارس أنشطة حياتية اعتيادية، في محاولة لبث الحياة مجدداً في تلك الجدران الصامتة.
لافتةً إلى أنها حرصت على خلق مزيج رمزي يربط بين جيلين مختلفين؛ إذ دمجت عناصر من العصر الحالي -كتناول «الماتشا» وحمل حقيبة عصرية- مع اللباس التقليدي والهوية البصرية للمكان القديم.
