رواية الباغ.. الذاكرة بوصفها وطناً

تقدم الكاتبة العُمانية بشرى خلفان في روايتها الباغ تجربة سردية تتجاوز حدود الحكاية التاريخية إلى مساءلة العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة، فرواية «الباغ» التي تعني البستان، تجعل من هذا الفضاء رمزاً للحياة والهوية والاستمرارية.

وتمتد أحداثها من أربعينيات القرن العشرين حتى منتصف سبعينياته، وهي مرحلة شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة في سلطنة عُمان، من حرب الجبل الأخضر إلى ثورة ظفار، لتصبح تلك الأحداث جزءاً من مصائر الشخصيات، وليست مجرد خلفية زمنية للسرد.

تتمحور الرواية حول شخصيتي راشد وريا، اللذين يغادران قريتهما السرائر قسراً إلى مسقط، في رحلة تتجاوز الانتقال المكاني إلى اختبار قاسٍ للهوية والانتماء، ويرسم مسار راشد صورة الإنسان الذي تقوده التحولات الاجتماعية إلى إعادة تشكيل ذاته، إذ ينتقل من العمل حمالاً في الميناء إلى الالتحاق بحامية مسقط ثم يصبح ضابطاً.

فيجد نفسه منخرطاً في صراعات سياسية تعيد ترتيب ولاءاته وعلاقاته، وفي المقابل تحافظ ريا على ارتباطها بالموروث الشعبي، فتتمسك بمعارفها الدينية والشعبية، وتتعلم طب الأعشاب، لتغدو امتداداً لذاكرة المكان وحافظةً لما يهدده النسيان، ومن خلال هذا التباين، تطرح الرواية سؤالاً مستمراً حول الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يبتعد عن جذوره، وحول قدرة الذاكرة على مقاومة التحولات.

تستثمر بشرى خلفان بنية زمنية غير خطية، تعتمد على الاسترجاع السردي والانتقال بين الأزمنة، بما يجعل الماضي حاضراً باستمرار في وعي الشخصيات، كما توظف لغة تجمع بين الفصحى والإيقاع الشفاهي العُماني.

فتمنح الشخصيات أصواتها الخاصة، وتضفي على المكان حضوره الثقافي والوجداني، ولا تبدو التفاصيل اليومية، أو المفردات المحلية، عناصر للزينة اللغوية، بل أدوات لبناء عالم روائي يستمد مصداقيته من البيئة التي ينطلق منها.

ومن خلال هذا الأسلوب، ليغدو التاريخ جزءًا من التجربة الإنسانية، لا سجلاً للأحداث فحسب، وتنجح الكاتبة في بناء إيقاع سردي هادئ يمنح الشخصيات مساحة للتطور بعيداً عن الأحكام المسبقة، فلا تنقسم إلى خير مطلق أو شر مطلق، وإنما تتحرك داخل منطقة إنسانية معقدة تحكمها الظروف والاختيارات، وهذا التوازن يمنح الرواية مصداقية فنية، ويجعل التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات امتداداً طبيعياً لمسارها السردي، لا نتائج مفاجئة تفرضها الأحداث.

ولا تتعامل الرواية مع التاريخ باعتباره سلسلة أحداث سياسية، بل تنظر إليه بوصفه قوة تتدخل في تشكيل المصائر الفردية، فالقلعة والطريق، والبستان والبيت، تتشابك في حميمية سردية مطلقة لتحمل آثار السلطة والخوف والحنين والانتماء، وتكشف الرواية كيف تتسلل التحولات الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتغير العلاقات الأسرية.

وتعيد تشكيل القيم، وتفرض على الشخصيات خيارات لم تكن لتواجهها في ظروف أخرى، وهنا تنجح بشرى خلفان في تحويل التاريخ من إطار للأحداث إلى عنصر فاعل داخل البناء الروائي، يشارك في صياغة الشخصيات ومساراتها.

وتكمن قوة «الباغ» في أنها تنطلق من خصوصية البيئة العُمانية لتطرح أسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان، مثل علاقة الفرد بالسلطة، وأثر الذاكرة في تشكيل الهوية، ومعنى الانتماء في زمن التحولات، فلا تقدم الرواية التاريخ بوصفه سرداً مغلقاً.

وإنما تترك للقارئ مساحة للتأمل في انعكاساته على خيارات الأفراد ومصائرهم، لتبتعد بذلك عن الخطاب التوثيقي المباشر، وتقدم بناءً سردياً يوازن بين البعد التاريخي والعمق النفسي، ويكشف كيف تتسلل التحولات الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وتؤكد الرواية أن الأوطان لا تُبنى بالأحداث الكبرى وحدها، بل أيضاً بالحكايات الصغيرة التي يحتفظ بها الناس، وبقدرتهم على حملها من جيل إلى آخر، لتبقى الذاكرة البستان الحقيقي الذي لا تقتلع جذوره تقلبات الزمن.

وتستمد الرواية تميزها كذلك من قدرتها على تحويل التجربة المحلية إلى سؤال إنساني مفتوح، يجعل القارئ شريكاً في تأمل معنى العدالة والانتماء والخسارة، وهو ما يمنح العمل بعداً أدبياً يتجاوز حدود الجغرافيا، ويكرس مكانته بوصفه واحدة من أبرز التجارب الروائية العُمانية والخليجية المعاصرة.