يُقدم كتاب «تفاحة وشجرة وصفحة بيضاء» للكاتب جعفر رجب، الصادر عن منشورات تكوين، محاولة جادة ومتميزة لـ «أنسنة الفلسفة» وتقريبها من القارئ العادي، في زمن يغلب عليه النفور من التعقيدات الفكرية، حيث يقدم الكتاب دعوة للتأمل في الوجود الإنساني من خلال عدسة فلسفية مبسطة وعميقة في آن واحد، ويطرح رجب سؤالاً جوهرياً:
«لماذا لا يحبون الفلسفة؟»، ويجيب عنه بأسلوب يجمع بين السرد القصصي والأمثلة الواقعية فضلاً عن الرسومات التوضيحية، ليجعل الفلسفة رفيقاً يومياً لا عبئاً أكاديمياً.
وتتجلى أهمية الكتاب في قدرته على تحويل الأفكار الفلسفية المجردة إلى تجارب حياتية ملموسة، مستخدماً رموزاً بسيطة مثل «التفاحة» التي ترمز للمعرفة أو التجربة، و«الشجرة» التي تمثل الجذور والوجود، و«الصفحة البيضاء» التي ترمز للمستقبل المفتوح أو البدايات الجديدة، وهذه الرموز بوابات للتفكير الفلسفي الذي يدعو القارئ إلى استكشاف ذاته وعلاقته بالعالم من حوله، والكتاب بذلك لا يلقن الفلسفة، بل يزرع بذورها في تربة الوعي اليومي.
محفزاً على التساؤل والتفكير النقدي. وتجدر الإشارة إلى أن منهج جعفر رجب في هذا الكتاب يمثل تحدياً للمقاربات التقليدية للفلسفة التي غالباً ما تتسم بالجفاف والتعقيد، فهو يرى أن الفلسفة يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، وأنها أداة أساسية لفهم الذات والعالم.
ومن خلال شخصية «نادر عبدالمجيد» المعالج النفسي الذي يعود إلى قريته، يقدم الكتاب رحلة استكشافية للذات والمجتمع، حيث تتشابك القضايا النفسية مع التأملات الفلسفية حول الوجود والهوية، وهذا الدمج بين علم النفس والفلسفة يمنح الكتاب بعداً إنسانياً عميقاً.
ويجعله قادراً على مخاطبة شرائح واسعة من القراء، بذلك يسهم الكتاب في بناء وعي فلسفي جديد، يعيد للفلسفة مكانتها مرشداً للحياة، لا مجرد علم نظري بعيد عن الواقع، وهو عمل فكري يثبت أن الفلسفة يمكن أن تكون ممتعة وملهمة ومحفزة على التغيير الإيجابي في الذات والمجتمع.
ويُعد هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية، فهو لا يكتفي بتبسيط الفلسفة فحسب، إنما يعيد إليها وهجها كأداة للتفكير النقدي والتحليل العميق للواقع، ويدعو القارئ في أسلوب شيق إلى التحرر من الأفكار المسبقة، واحتضان الفضول المعرفي.
ويقول جعفر في وصف الفلسفة: «الفلسفة ليس موقع غوغل ولا برنامجاً للذكاء الاصطناعي، ولا موسوعة شاملة بها كل الإجابات، ولا ساحراً يخرج من قبعته ما ترغب، الفلسفة ليست بقالة تدخلها لتشتري ما ينقصك من إجابات، الفلسفة حقول سافانا شاسعة، والفيلسوف صياد ماهر، يركض خلف فريسته بكل هدوء ويحمل رمحه بحثاً عن الإجابات».
