القاهرة - عبدالله حماد
يشهد المشهد الثقافي العربي تحولات متسارعة، فرضتها متغيرات الاقتصاد الإبداعي، والتوسع الكبير في المنصات الرقمية، بما أسهم في إعادة ترتيب أولويات الثقافة العربية، وفتح المجال أمام أطراف جديدة للمشاركة في صناعة المشهد، إلى جانب المؤسسات الثقافية التقليدية. كما انعكست هذه التحولات على خريطة العمل الثقافي، مع صعود مراكز ثقافية جديدة وتبدل أدوار الفاعلين في الحقل الثقافي.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ النقد الأدبي الدكتور حسين حمودة، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، أن المشهد الثقافي العربي الراهن تصوغه تحولات متعددة، تسهم فيها أطراف متعددة أيضاً.
ويقول حمودة الحاصل على جائزة الدولة التقديرية في مصر عن مجمل مؤلفاته، إن هناك مؤسسات ثقافية راسخة، أضيفت إليها مؤسسات جديدة، تقوم جميعها بأدوار كبيرة، من بينها العمل على ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى، والعكس، إلى جانب تدشين هيئات ودوائر ثقافية تسهم في اكتشاف مواهب جديدة، وإعادة الاعتبار لأنواع أدبية، وبخاصة الشعر، من خلال إقامة عدد من «بيوت الشعر» في بعض البلدان العربية.
ويضيف أن هذه المؤسسات تنظم كذلك جوائز ومسابقات أدبية كبيرة حظيت باهتمامات واسعة، وتعقد مؤتمرات وندوات، وغيرها من الأنشطة التي لا تستطيع القيام بها أفراد أو جماعات محدودة.
ويشير إلى أن هذه المؤسسات، ولا سيما الجديدة منها، لم تعد مقتصرة على المراكز التقليدية التي مثلتها، في مراحل سابقة، عواصم قليلة في العالم العربي، بل أصبحت مرتبطة بعواصم وبلدان عربية عدة، من المحيط إلى الخليج، تشارك بكفاءة في صياغة المشهد الثقافي العربي خلال العقود الأخيرة.
تأثير المنصات الرقمية
ويلفت أستاذ النقد الأدبي إلى وجود إسهامات كبيرة أسهمت في صياغة المشهد الثقافي، أتاحتها الوسائط التكنولوجية الحديثة، ومنها منصات للنشر المدفوع والمجاني، فضلاً عن مواقع تنشر كتابات نقدية يشارك فيها عدد كبير من المثقفين والمبدعين والنقاد غير المحترفين.
ويضيف أن هؤلاء أفادوا من هذه الوسائط في إتاحة فرص واسعة للتعبير الحر، والنشر الذي يقلل التكلفة ويختصر الزمن والمسافات، موضحاً أن هذه الكتابات، وإن كانت بحاجة إلى نوع من «الغربلة» والالتزام بمعايير متفق عليها، فإنها تظل نوافذ مهمة للنشر والتعبير، وتسهم بدورها في صياغة المشهد الثقافي.
معارض الكتب
ويشير حمودة إلى التزايد الملحوظ في عدد معارض الكتب الكبرى في بلدان عربية عدة، مبيناً أن أغلبها ينظم برامج ثقافية وفنية حافلة مصاحبة، تقيم جسوراً للتواصل مع طيف متنوع من الجمهور القارئ، والجمهور المشاهد، والجمهور المستمع. ويؤكد أن هذه الأنشطة تسهم في توسيع حدود مفهوم الثقافة، واستكشاف سبل جديدة للتواصل والبث والمشاركة.
عودة الصالونات الأدبية
ومن الظواهر اللافتة أيضاً، والكلام للناقد الأدبي، إقامة مسابقات تحظى بتغطيات إعلامية كبيرة في بعض المجالات الأدبية، مثل الشعر الفصيح والشعر الشعبي. كما يشير إلى إعادة إحياء فكرة «الصالونات الثقافية»، التي شهدت تزايداً خلال العقود الأخيرة بعد غياب، أو شبه غياب طويل.
ويتابع أن بعض هذه الصالونات يقوم على برامج منظمة على مدار العام، ويسهم، إلى حد ما، في مناقشة قضايا مهمة، وطرح حوارات بناءة، كما يرتبط عدد منها بتغطيات إعلامية، فيما يحول بعضها أنشطته إلى كتب مطبوعة أو يبثها عبر فيديوهات على بعض المواقع. الحاجة إلى التكامل ويشدد حمودة على أن تلك التحولات اقترنت بتطوير المؤسسات الثقافية التقليدية، واستكشفت مجالات ووجهات جديدة لبث الثقافة والسعي إلى تعزيز الاهتمام بها.
ويؤكد أن هذا الحضور المتزايد والمتنوع في البلدان العربية يطرح أسئلة جديدة تتعلق بالحاجة إلى قدر أكبر من التنظيم والتكامل بين هذه الجهات.
ويشير إلى أن المثال الأوضح يتمثل في وجود عدد من المراكز التي تهتم بالترجمة في أكثر من بلد عربي، وتمارس النشاط نفسه، بما يجعلها بحاجة إلى تنظيم جهودها وتوجيهها ضمن خطة كبيرة، ورؤية واضحة تحدد أولويات الترجمة، وتجنب تكرار الجهود.
ويختتم حمودة بالتأكيد على أن هذه الأسئلة تمتد أيضاً إلى العلاقة بين الثقافة والاقتصاد، وقياسات التأثير، والمسافة بين الثقافة بوصفها سلعة، والثقافة بوصفها رسالة، فضلاً عن مفهوم «اقتصاد الوعي» بوجه عام.

