الرواية الإماراتية.. نضج يتجاوز كثرة الإصدارات

عبدالرحمن حبيب
عبدالرحمن حبيب
نوال (3)
نوال (3)

شهدت الرواية الإماراتية خلال السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً، وانتقلت من توثيق التحولات المحلية إلى تقديم تجارب سردية أكثر تنوعاً ونضجاً، ما يفتح باب التساؤل حول قدرتها على تكوين صوتها الخاص، بعيداً عن الحضور الموسمي الذي تصنعه الجوائز الأدبية.

ويستدعي هذا الواقع قراءة دور الترجمة وحركة النشر والدعم المؤسسي في تعزيز حضور الكاتب الإماراتي، إلى جانب أهمية بناء قارئ يتفاعل مع هذه الأعمال. وبين ما تحقق من انتشار وما تبقى من تحديات، يواصل السرد الإماراتي البحث عن موقع أكثر رسوخاً في المشهدين العربي والعالمي.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والروائي عبدالرحمن حبيب أن الرواية الإماراتية شهدت خلال السنوات الخمس الأخيرة تحولات واضحة ولافتة.

انعكست في وصول عدد من الكتّاب الإماراتيين إلى القائمتين الطويلة والقصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية»، إلى جانب بروز تجارب سردية تمتلك حضوراً متزايداً في المشهد الثقافي العربي.

ويقول حبيب، في حديثه لــ«البيان»: «إن أسماء مثل نادية النجار وريم الكمالي وسلطان العميمي، أصبحت اليوم أكثر حضوراً وتأثيراً، وهو ما يؤكد أن الرواية الإماراتية قطعت خطوات مهمة، مستفيدة من الدعم المؤسسي الذي وفرته الإمارات للكاتب المحلي، بالإضافة إلى الجوائز الأدبية التي أسهمت في تقديم الكتّاب إلى القراء والنقاد والناشرين».

ويرى أن الرواية الإماراتية لا تزال تواصل بناء صوتها الخاص، موضحاً أن التجارب الروائية الخليجية تتقاطع في كثير من ملامحها، نتيجة التشابه بين البيئات الاجتماعية والثقافية، وتحتاج الرواية الإماراتية إلى مزيد من الوقت وتعدد الأصوات حتى تكتسب هوية سردية يمكن التعرف إليها من السطور الأولى.

ويوضح حبيب أن الجوائز لعبت دوراً في إظهار الأدب الإماراتي والخليجي عموماً، بعدما ظل لفترة طويلة بعيداً عن اهتمام قطاعات واسعة من القراء العرب، قائلاً:

«الجوائز في أي دولة بالعالم من أهم الأدوات العملية التي تساعد على تعريف الجمهور بالمبدع، وقد دفعت عدداً من الكتّاب، وحتى بعض الشعراء، إلى خوض تجربة الرواية».

تأثير الجوائز الأدبية

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الجوائز قد تؤثر أحياناً في اختيارات الكاتب وموضوعاته، إذ قد يضع بعض المبدعين جائزة بعينها في أذهانهم أثناء الكتابة، ويتجهون إلى موضوعات يعتقدون أنها أكثر جذباً للجان التحكيم.

ويضيف حبيب، أن حضور الرواية الإماراتية في المرحلة الراهنة لم يعد مرتبطاً بالجوائز وحدها، إذ أصبح القارئ العربي قادراً على التعرف إلى عدد متزايد من الأسماء والأعمال، غير أن تثبيت هذا الحضور يحتاج إلى خطط مستمرة للنشر والتوزيع والترجمة، وإلى متابعة إعلامية لا تتوقف بانتهاء موسم الجوائز أو إعلان القوائم النهائية، بل تواصل بناء علاقة حقيقية بين الكاتب والقارئ في المنطقة.

تحديات النشر

وعن واقع النشر، يؤكد حبيب أن صناعة الكتاب في الوطن العربي تعاني أزمة عامة، غير أن الإمارات تمتلك إمكانات تؤهلها لتأسيس قطاع نشر أكثر قوة وتأثيراً.

كما أن عدد دور النشر الإماراتية لا يزال محدوداً مقارنة بما تملكه الدولة من بنية ثقافية ومؤسسات ومعارض وقدرات استثمارية، داعياً إلى زيادة عددها وتطوير حضورها عربياً، حتى لا يضطر كتّاب إماراتيون بارزون إلى نشر أعمالهم في دور نشر أخرى خارج الدولة.

وفي ما يتعلق بالترجمة، يقول إن عدد الروايات الإماراتية المترجمة إلى اللغات الأجنبية لا يزال قليلاً، مشيراً إلى أن معظم الأعمال التي حظيت بفرصة الترجمة كانت مرتبطة بالوصول إلى قوائم الجوائز.

كما أن ضعف الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى يمثل تحدياً عاماً، وأن تطوير هذا القطاع سيمنح الأدب الإماراتي فرصاً أوسع للوصول إلى القارئ العالمي.

ما بعد الجوائز

ويتابع حبيب، أن الانتقال إلى مرحلة «ما بعد الجوائز» يتطلب اهتماماً أكبر بتسويق الكاتب الإماراتي، وتوسيع دور الإعلام والمؤسسات الثقافية في التعريف بأعماله داخل الدولة وخارجها.

مشيراً إلى أن رواية «غرفة واحدة لا تكفي» لسلطان العميمي تقدم مثالاً على قدرة الكاتب الإماراتي على ابتكار أفكار روائية لافتة.

ومن جانبها، تؤكد الروائية نوال مصطفى، أن كثرة الإصدارات الروائية الإماراتية ليست وحدها دليلاً للحكم على نضج التجربة.

موضحة أن التوسع الكمي يمثل مؤشراً إيجابياً على اتساع دائرة الكتابة والاهتمام بالرواية، لكنه لا يتحول إلى قيمة أدبية حقيقية إلا حين تصاحبه أعمال قادرة على البقاء والتأثير في الوعي الجمالي والثقافي.

وتقول مصطفى إن الرواية الإماراتية تجاوزت مرحلة البدايات، وبدأت ترسخ حضورها من خلال أعمال جادة تستلهم الذاكرة المحلية، بما تحمله من فضاءات بحرية وصحراوية، وتحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، مع انفتاح واضح على أسئلة الهوية والعلاقة بين الأصالة والحداثة وتأثير الطفرة العمرانية في الإنسان.

وترى مصطفى، أن الجوائز الأدبية أسهمت في توسيع دائرة انتشار الرواية الإماراتية، وفتحت أمام الكتّاب فرصاً للوصول إلى جمهور عربي وعالمي، لكنها شددت على ضرورة ألا تتحول الجائزة إلى هدف يوجه الكتابة أو يفرض نموذجاً سردياً واحداً، مؤكدة أن الرواية الأصيلة تنطلق من دافع فني وإنساني.

دوائر الانتشار

وتضيف مصطفى، أن عدداً من الأعمال الإماراتية استطاع تجاوز الحضور الإعلامي العابر، وأصبح محل اهتمام نقدي وأكاديمي، وهو ما يعكس تشكل رصيد أدبي قابل للاستمرار وإعادة القراءة.

قيمة أدبية

وتشير إلى أن تطور مؤسسات النشر والمبادرات الثقافية ومعارض الكتب في الإمارات وفر بيئة داعمة للإبداع، إلا أن الحركة النقدية لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمق والاستقلال، لأن النقد الجاد شريك أساسي في تطوير التجربة.

حضور عالمي

وفي شأن الترجمة، دعت مصطفى إلى انتقاء أعمال متنوعة تعكس ثراء المجتمع الإماراتي وتعدد أصواته، مع الاهتمام بجودة المترجم وقدرته على نقل الحس الثقافي والجمالي للنص، لا الاكتفاء بنقل معناه اللغوي.

كما تؤكد أهمية انتقال الدعم المؤسسي من رعاية الكاتب إلى بناء القارئ عبر المدارس والجامعات ونوادي القراءة والمنصات الرقمية، وتحويل الروايات إلى أعمال درامية وسينمائية، بما يرسخ حضورها في الحياة اليومية.

وتلفت مصطفى إلى أن أعمالاً مثل «دفاتر روز» لريم الكمالي، و«غرفة واحدة لا تكفي» لسلطان العميمي، و«ذات أخرى» لمها قرقاش، و«دائرة التوابل» لصالحة عبيد، تكشف تنوع التجربة وقدرتها على مزج التاريخ والذاكرة والخيال، وتقديم صورة أكثر نضجاً عن المجتمع الإماراتي وتحولاته، بما يعزز حضورها عربياً ودولياً ويمنحها فرصة أوسع للبقاء والتأثير في ذاكرة القراء والنقاد معاً.