بوينس آيرس..من ألوان لا بوكا إلى نكهة الأسادو

يعشق أحمد العمري، الكاتب والمثقف الإماراتي، السفر والسياحة والتعرف إلى الشعوب وثقافات العالم المختلفة، وفي هذه الصفحة يروي لنا تجربته في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس.

بعيداً في جنوب العالم، وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تتميز الأرجنتين بتنوع كبير، من مدنها وسهولها إلى جبال الأنديز والجليد في أقصى الجنوب.

وفي قلب هذا التنوع تقف بوينس آيرس، التي أتيحت لي فرصة زيارتها قبل سنوات، فوجدتها مدينة تحمل شيئاً من أوروبا في عمارتها وشوارعها، وكثيراً من أمريكا الجنوبية في ألوانها وموسيقاها وطعامها.

لأن اكتشاف المدن يبدأ أحياناً من أكثر أحيائها تعبيراً عنها، اخترت أن تبدأ جولتي من لا بوكا، الحي الشعبي الملون الذي ارتبط بالميناء وكرة القدم.

كرة القدم حاضرة هنا قبل أن تصل إلى الملعب. ألوان بوكا جونيورز على الجدران والمتاجر، وصور اللاعبين تملأ المكان، ومن بينها صور دييغو مارادونا الذي ارتبط اسمه بالنادي والمدينة. وفي قلب الحي يقع ملعب لا بومبونيرا الشهير، ويعني اسمه «علبة الشوكولاتة»، في إشارة إلى شكله غير المعتاد.

تجولت في مدرجاته ومتحفه، حيث يلفت النظر انحدار المدرجات وقربها الشديد من أرض الملعب، ولا تزال مقصورة مارادونا الخاصة من التفاصيل التي يتوقف عندها الزائر خلال جولته في أرجاء الملعب.

ومن الملعب خرجت إلى شوارع لا بوكا، وصولاً إلى كامينيتو، أشهر أجزاء الحي وأكثرها ألواناً. بيوت قديمة زاهية، وأسواق صغيرة، ورسامون وفنانون ومطاعم، والتانغو يظهر أحياناً في الشارع من دون موعد. هنا تبدأ بوينس آيرس في تعريفك بنفسها من خلال الناس والموسيقى والألوان.

وكانت الأسواق فرصة لتجربة عادة أرجنتينية أخرى: الماتيه. اشتريت الوعاء والشفاطة المعدنية وعشبة يِربا ماتيه (Yerba Mate) الأصلية، وتعلمت من أهل المكان طريقة إعدادها وشربها. وهي من تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعلك تعيش شيئاً من حياة أهل المكان، لا أن تكتفي بمشاهدته.

ومن ألوان لا بوكا انتقلت إلى وسط بوينس آيرس، وكأن المدينة تغير ثيابها؛ شوارع واسعة ومبانٍ أوروبية الطابع وساحات ومقاهٍ. مررت بساحة مايو والقصر الرئاسي الوردي، ثم حدائق الكونغرس أمام مبنى البرلمان، ومنها إلى شارع فلوريدا للتسوق، وصولاً إلى المسلة، أشهر علامات المدينة.

وللطعام نصيبه من الرحلة، وكان لا بد من تجربة الأسادو. اخترت أحد مطاعم الشواء في شارع كورينتيس الشهير، حيث المسارح والمقاهي والمطاعم، وتلفت مطاعم الشواء النظر بواجهاتها الزجاجية التي تظهر خلفها قطع اللحم، وهي تشوى على اللهب، وكأن التجربة تبدأ قبل أن تدخل المطعم.

جلست وطلبت قطعة من اللحم، وحين وصلت وضع النادل أمامي ملعقة وشوكة من دون سكين. طلبت منه سكيناً، فنظر إليّ وسألني: لماذا؟

قلت: لأقطع اللحم.

ابتسم وقال بثقة: إذا لم تستطع تقطيعه بالملعقة، فوجبتك مجاناً!

جربت.. ونجحت الملعقة في مهمتها.

اختصر ذلك الموقف الكثير عن الأسادو الأرجنتيني؛ جودة اللحم وإتقان الطهي، وثقة لا تحتاج إلى كثير من الكلام.

أما المساء فوجدت له مكاناً أحببته أكثر: بويرتو ماديرو، الميناء القديم الذي تحول إلى أحد أحدث وأرقى أحياء العاصمة، حيث المطاعم والمقاهي والأبراج الحديثة بمحاذاة الماء. مكان جميل لأن تنهي يومك بقهوة وجولة هادئة، بعد ساعات بدأت في حي شعبي صاخب.

ولمن يملك يوماً إضافياً، يمكن الخروج إلى تيغري القريبة، حيث القنوات والجزر الصغيرة ورحلات القوارب، أو إلى الريف المحيط بالعاصمة بسهوله ومزارعه وخيوله. وحين تخرج من بوينس آيرس تدرك أنها ليست سوى بوابة لبلد أكبر، ولقارة تستحق أن نقترب منها أكثر.

وكلما امتدت الرحلة جنوباً، تغير المشهد، حتى تصل إلى إقليم باتاغونيا الشاسع الذي تتقاسمه الأرجنتين وتشيلي؛ عالم آخر من الجبال والبحيرات والأنهار الجليدية، ووجه مختلف من جمال أمريكا الجنوبية. لم أصل إلى باتاغونيا في رحلتي تلك، لكن ما رأيته وقرأت عنه كان كافياً ليترك باب العودة مفتوحاً.