حلول ذكية تنقذ آلاف الطيور من الموت

رغم الدور المتزايد الذي تلعبه طاقة الرياح في إنتاج الكهرباء النظيفة، تواجه هذه الصناعة تحديًا بيئيًا مستمرًا وهو اصطدام الطيور بشفرات توربينات الرياح.

وتشير تقديرات في الولايات المتحدة إلى أن توربينات الرياح تتسبب في نفوق مئات الآلاف وربما أكثر من مليون طائر سنويًا، ما دفع الباحثين وشركات الطاقة إلى البحث عن حلول تقلل هذه الخسائر، دون إيقاف التوسع في مصادر الطاقة المتجددة.

واللافت أن بعض هذه الحلول أثبت بالفعل فعاليته في مواقع مختلفة حول العالم.

تعود إحدى أقدم التجارب إلى منطقة Altamont Pass  شرق سان فرانسيسكو، حيث نُصبت آلاف توربينات الرياح منذ ستينيات القرن الماضي في منطقة تعد في الوقت نفسه من أهم مواطن تعشيش النسور الذهبية في أمريكا الشمالية.

وبعد تصاعد نفوق الطيور ورفع جماعات بيئية دعاوى قضائية، التزمت شركات الطاقة بخفض وفيات عدد من أنواع الطيور الجارحة.

وكان أحد الحلول ببساطة هو إزالة التوربينات الصغيرة التي ثبت أنها الأكثر تسببًا في نفوق الطيور، واستبدالها بعدد أقل من التوربينات الأكبر، مع اختيار مواقعها بعناية أكبر.

وأظهرت عمليات الرصد لاحقًا انخفاضًا في نفوق الأنواع المستهدفة بنحو 50%، ما كشف أن اختيار موقع التوربين قد يكون أحد أهم العوامل التي تحدد حجم الخطر على الطيور.

وفي كثير من الحالات، لا يكون نقل التوربين أو استبداله خيارًا عمليًا بسبب التكلفة أو طبيعة الموقع.

وهنا اتجه الباحثون إلى سؤال آخر وهو " لماذا لا ترى الطيور شفرات التوربينات رغم امتلاك بعضها قدرة بصرية استثنائية؟".

منطقة عمياء

وتشير أبحاث إلى أن بعض الطيور الجارحة، رغم قوة بصرها، قد تعاني من منطقة عمياء فوق مجال رؤيتها، خصوصًا عندما تركز على الأرض بحثًا عن الفرائس.

وتزداد المشكلة مع الشفرات ذات اللون الأبيض أو الرمادي الفاتح، التي صُممت جزئيًا لتندمج بصريًا مع السماء ولا تزعج المشهد بالنسبة للبشر. وعندما تدور الشفرات بسرعة، قد تبدو للطيور كأنها كتلة شبه شفافة يصعب تمييزها.

في مزرعة رياح بجزيرة بالنرويج، اختبر باحثون حلًا بسيطًا وهو طلاء إحدى الشفرات باللون الأسود في عدد من التوربينات، فيما جاءت النتيجة لافتة، إذ انخفض عدد الطيور النافقة في التوربينات التي جرى تعديلها بنحو 71.9 % خلال فترة الدراسة.

حل سحري

لكن التجربة كشفت أيضًا أن الحل ليس سحريًا، فعندما اختبر باحثون هولنديون الفكرة عام 2022 في مزرعة رياح أخرى، لم يحقق طلاء شفرة واحدة بالأسود تأثيرًا يُذكر.

وهذا يعني أن الحل الذي ينجح في موقع معين قد لا ينجح بالضرورة في موقع آخر.

التكنولوجيا الأكثر تطورًا تحاول منح توربينات الرياح قدرة على رصد الطيور واتخاذ قرار سريع قبل اقترابها من الشفرات.

ومن بين هذه الأنظمة تقنية IdentiFlight، التي تستخدم أبراجًا مزودة بكاميرات لمراقبة الأجسام الطائرة في محيط مزارع الرياح، وتحديد أنواع معينة من الطيور ومساراتها.

وعندما يرصد النظام طائرًا معرضًا لخطر الاصطدام، يمكنه إصدار أمر للتوربين المعني بالتوقف مؤقتًا.

وفي دراسة قارنت مزرعتي رياح في ولاية وايومنغ الأمريكية، سجلت المزرعة المزودة بالنظام انخفاضًا في وفيات النسور بنسبة بلغت نحو 82%.

أصوات تحذيرية

هناك حل آخر يحاول تقليل الخطر دون إيقاف التوربينات باستمرار، فنظام DTBird  يعتمد على رصد الطيور، ثم إصدار أصوات تحذيرية من أبراج التوربينات لإبعادها عن مسار الشفرات.

وأظهرت اختبارات في مزرعتي رياح أمريكيتين أن النظام نجح في خفض احتمالات اقتراب بعض أنواع الطيور من الشفرات بنحو 20 إلى 30%.

تكشف هذه التجارب أن حماية الطيور من توربينات الرياح لا تعتمد على تقنية واحدة، بل على فهم طبيعة الموقع وأنواع الطيور وسلوكها.

الحل الأفضل

ففي بعض المناطق قد يكون الحل الأفضل تغيير مواقع التوربينات، وفي أخرى قد يكون طلاء إحدى الشفرات كافيًا، بينما قد تحتاج المواقع الأكثر حساسية إلى أنظمة مراقبة ذكية توقف التوربينات لحظيًا أو تحذر الطيور من الاقتراب.

وبينما تتوسع دول العالم في الاعتماد على طاقة الرياح ضمن خطط التحول إلى الطاقة النظيفة، يبدو أن التحدي المقبل لن يكون فقط إنتاج المزيد من الكهرباء من الرياح، بل إنتاجها بطريقة أكثر انسجامًا مع الحياة البرية.

والسؤال الآن  هو " هل تستطيع التكنولوجيا جعل توربينات الرياح صديقة للطيور بالقدر نفسه الذي تسعى فيه إلى أن تكون صديقة للبيئة؟".