كارثة بومبي تعود بعد 2000 عام

بعد نحو ألفي عام على ثوران بركان فيزوف الذي دفن مدينة بومبي الإيطالية، تحولت الكارثة التي أودت بحياة الآلاف إلى أداة علمية فريدة تساعد الباحثين على تحسين دقة الساعات التي يستخدمونها لتحديد عمر الصخور والأحداث التي شكلت تاريخ الأرض.

ويعود السبب إلى أن ثوران فيزوف عام 79 ميلادية وقع ضمن فترة موثقة تاريخيًا، إذ وصف الكاتب الروماني بليني الأصغر الكارثة التي أودت بحياة عمه بليني الأكبر.

ويمنح هذا التاريخ المعروف نسبيًا العلماء نقطة مرجعية نادرة لاختبار مدى دقة إحدى أهم تقنيات التأريخ الجيولوجي.

تأريخ الأرجون

استفاد باحثون من مركز بيركلي للتأريخ الجيولوجي وجامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة بادوفا الإيطالية من ثوران فيزوف لإعادة معايرة تقنية تعرف باسم تأريخ الأرجون-أرجون.

وتستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع لتحديد أعمار الصخور البركانية وإعادة بناء التسلسل الزمني للثورانات والأحداث الجيولوجية التي وقعت قبل آلاف أو ملايين السنين.

ويقول الباحثون إن تحسين دقة هذه التقنية يمكن أن يساعد على تحديد توقيت الثورات البركانية السابقة بصورة أكثر وضوحًا، خصوصًا في المناطق القريبة من مدن مكتظة بالسكان، مثل نابولي ومكسيكو سيتي ويوجياكارتا.

كما يمكن أن يسهم ذلك في تحسين المقارنات بين تقنيات التأريخ المختلفة، ومنها الكربون المشع للمواد العضوية الحديثة نسبيًا واليورانيوم-الرصاص للصخور التي قد يصل عمرها إلى مليارات السنين.

8 عينات

حلل الفريق 8 عينات من معدن السانيدين الغني بالبوتاسيوم، وهو أحد المعادن البركانية التي تكونت خلال ثوران فيزوف.

وأظهرت تقنية الأرجون-أرجون بعد إعادة معايرتها أن عمر العينات يبلغ نحو 1938 ±13 عامًا عند قياسها في عام 2025، بينما يشير التاريخ التاريخي للثوران إلى أن المعادن كان عمرها نحو 1946 عامًا.

وبحسب الباحثين، تعكس النتائج دقة محسنة تبلغ نحو 0.7% من حيث الدقة الإحصائية (precision) و0.4% من حيث مطابقة العمر الحقيقي (accuracy).

وهذا الفارق مهم للغاية؛ فالدقة تعني قدرة الطريقة على إعطاء نتائج متقاربة عند تكرار القياس، بينما تعني الصحة أو المطابقة مدى قرب النتيجة من القيمة الحقيقية.

لا تقتصر أهمية هذه الدقة على معرفة موعد ثوران بركان قديم، بل يمكن أن تساعد العلماء على ربط الأحداث الجيولوجية ببعضها زمنيًا.

فعندما يحاول الباحثون معرفة ما إذا كان حدثان وقعا بفارق آلاف أو عشرات الآلاف من السنين مرتبطين ببعضهما، فإن هامش الخطأ في تحديد التواريخ يصبح حاسمًا.

واستخدم الباحثون سابقًا تقنية الأرجون-أرجون لدراسة توقيت اصطدام الكويكب الذي أنهى العصر الطباشيري، والثورات البركانية الضخمة في الهند، وانقراض الديناصورات غير الطيرية قبل نحو 66 مليون عام.

فرضيات

ويساعد تحديد الترتيب الزمني الدقيق لهذه الأحداث في اختبار الفرضيات المتعلقة بالعلاقة بينها، بدل الاعتماد على مجرد التقارب في التواريخ.

ثوابت أساسية

أتاحت البيانات التاريخية المرتبطة بفيزوف للعلماء أيضًا إعادة تقدير إحدى الثوابت الأساسية في عملية التأريخ الإشعاعي، وهي نصف عمر البوتاسيوم-40 أثناء تحوله إلى أرجون-40.

وخلص الفريق إلى أن نصف العمر يبلغ نحو 12.044 مليار سنة، مع هامش عدم يقين قدره 0.088 مليار سنة، وهي نتيجة يقول الباحثون إنها أكثر دقة بنحو الضعف من القيمة السابقة المستندة إلى فيزياء النواة.

تحليل إشعاعي

تعتمد الطريقة على التحلل الإشعاعي لنظير البوتاسيوم-40 إلى الأرجون-40.

وعندما تكون الصخور البركانية منصهرة، لا تحتفظ عادةً بكميات كبيرة من الأرجون، لكن بعد أن تبرد وتتبلور يبدأ الأرجون الناتج عن التحلل الإشعاعي في التراكم داخل المعدن.

وفي المختبر، يعرض العلماء العينة للنيوترونات لتحويل البوتاسيوم-39 إلى أرجون-39، ثم يقيسون نسبة الأرجون-40 إلى الأرجون-39. ومن هذه النسبة يمكن حساب الفترة التي مرت منذ تشكل العينة.

وبعبارة أبسط،كلما تراكم الأرجون-40 داخل المعدن، أمكن للعلماء تقدير المدة التي مرت منذ تشكل الصخر.

مستوطنة رومانية

اعتمدت الدراسة الجديدة جزئيًا على عينات من الخفاف جُمعت قبل عقود، ففي عام 1998، حصل الباحث المشارك أندريا مارزولي من جامعة بادوفا على عينات غنية بالبوتاسيوم من موقع أوبلونتيس، وهي مستوطنة رومانية أخرى دفنتها ثورة فيزوف.

وبقيت العينات دون تحليل لسنوات، قبل أن يقترح باحثون شباب في مختبر بول رينيه استخدامها لتحسين نتائج دراسة سابقة أجريت عام 1997.

وساعدت العينات الغنية بالبوتاسيوم، إلى جانب أجهزة قياس أكثر تطورًا وتقنيات محسنة للتشعيع بالنيوترونات، على تجاوز القيود التي واجهت القياسات القديمة.

مرجع علمي

قبل استخدام كارثة بومبي كمرجع علمي، كان على الباحثين معالجة خلاف تاريخي قديم بشأن موعد الثوران نفسه.

فبينما ارتبط الحدث تقليديًا بتاريخ 24 أغسطس 79 ميلادية، اقترح بعض المؤرخين أن الثوران وقع في الخريف، مستندين جزئيًا إلى عملة عُثر عليها في بومبي واعتُبر أنها ربما سُكّت بعد سبتمبر.

لكن الباحثة كارولين هاسل أعادت فحص الأدلة المتعلقة بالعملة، وخلصت إلى أنها على الأرجح كانت قد أنتجت قبل سبتمبر، مع إبقاء هامش عدم يقين يقارب شهرين في تاريخ الثوران.

ويرى الباحثون أن هذا الهامش لم يؤثر بصورة كبيرة في معايرة تقنية الأرجون-أرجون، لكنه كان أكثر أهمية عند حساب نصف عمر البوتاسيوم-40.

ويرى العلماء أن تحسين معايرة الأرجون-أرجون يمكن أن يساعد أيضًا في تقليل الفروق بين أنظمة التأريخ الجيولوجي المختلفة، بما فيها التأريخ بالكربون المشع.

عمليات فزيائية

والهدف الأوسع هو بناء خط زمني أكثر اتساقًا لتاريخ الأرض، من خلال مقارنة نتائج طرق مستقلة تعتمد على عمليات فيزيائية مختلفة.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنه، في الظروف المناسبة، يمكن لتقنية الأرجون-أرجون تحديد أعمار بعض الأحداث التي وقعت خلال الحقبة التاريخية بهوامش خطأ تمتد إلى عشرات السنين فقط.

وهكذا، تحولت كارثة دفنت بومبي قبل نحو ألفي عام إلى شيء يتجاوز كونها صفحة مأساوية في التاريخ،  إذ أصبحت مرجعًا علميًا يساعد الباحثين على تحسين واحدة من أهم «الساعات» التي يستخدمونها لقراءة ماضي الأرض.