حمضه النووي أكبر من الإنسان بنحو 50%
في اكتشاف علمي يسلط الضوء على أسرار التطور الجيني لدى العناكب، نجح باحثون في فك تسلسل الجينوم الكامل لنوع نادر من عناكب الأبواب الفخية، لا يتجاوز حجمه عملة معدنية صغيرة، لكنه يحمل مادة وراثية تفوق حجم الجينوم البشري بنحو 50%.
ويعرف هذا النوع علمياً باسم Aptostichus stephencolberti، ويعيش مختبئاً تحت الكثبان الرملية الساحلية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، فيما يصل حجم جينومه إلى نحو 4.6 مليارات زوج قاعدي من الحمض النووي، مقارنة بنحو 3.1 مليارات زوج قاعدي لدى الإنسان.
وتمكن فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في ديفيس من تحديد التسلسل الجيني لهذا العنكبوت، في خطوة تعد الأولى من نوعها لعائلة العناكب التي ينتمي إليها، وتفتح آفاقاً جديدة لفهم التركيب الوراثي للعناكب وآليات تطور الجينومات لدى الكائنات الحية.
وقال جيسون بوند، أستاذ علم الحشرات وعلم الديدان الخيطية في الجامعة، إن جينوم العنكبوت، الذي يبلغ 4.6 مليارات زوج قاعدي، ليس الأكبر بين العناكب، لكنه يمثل اكتشافاً مهماً، من شأنه توسيع فهم العلماء لتركيب الجينومات لدى هذه الكائنات وتطورها عبر شجرة الحياة الحيوانية.
وكشفت الدراسة، المنشورة في مجلة «Journal of Heredity»، أن ضخامة الجينوم لا تعود إلى امتلاك العنكبوت عدداً استثنائياً من الجينات، بل إلى أن نحو 77% من مادته الوراثية يتكون من تسلسلات حمض نووي متكررة، وهي مقاطع جينية نُسخت مرات عديدة داخل الجينوم.
كما أظهرت النتائج أن الحمض النووي لهذا العنكبوت موزع على 52 كروموسوماً، مقابل 46 كروموسوماً في الخلايا الجسدية البشرية.
ورصد الباحثون أيضاً اختلافاً لافتاً في التيلوميرات، وهي تراكيب واقية تقع عند أطراف الكروموسومات وتحافظ على سلامتها. إذ تفتقر العناكب إلى أنماط التكرار التقليدية للتيلوميرات الموجودة لدى كثير من الحيوانات الأخرى، وهو اختلاف قد يساعد في تفسير التطور الأسرع لكروموسوماتها مقارنة بكروموسومات الفقاريات.
وعلى الرغم من حجمه الصغير، يتمتع هذا العنكبوت بقدرات افتراس متخصصة، إذ ينتشر في الكثبان الرملية الساحلية الممتدة بين منطقة خليج سان فرانسيسكو ومدينة مونتيري، ويعيش بالقرب من الشواطئ التي يرتادها الناس، دون أن يلاحظ معظمهم وجوده.
وتقضي الإناث حياتها داخل جحور تحت الأرض، تبطنها بخيوط الحرير وتغلق مداخلها بأبواب صغيرة مفصلية مموهة بالرمال، يصعب تمييزها عن البيئة المحيطة.
ويعتمد العنكبوت على استشعار الاهتزازات الناتجة عن اقتراب الفرائس، قبل أن يندفع بسرعة من جحره للإمساك بالحشرات والكائنات الصغيرة.
ورغم استخدامه السم لإخضاع فرائسه، فإنه لا يشكل خطراً على البشر، بحسب بوند، الذي أوضح أن من بين أكثر من 50 ألف نوع معروف من العناكب، لا يتجاوز عدد الأنواع التي يُعرف أن سمومها سامة للإنسان نحو 30 إلى 50 نوعاً.
شفرة وراثية
ولا تقتصر أهمية فك الشفرة الوراثية لهذا العنكبوت على فهم تطوره البيولوجي، بل تمتد إلى جهود حماية التنوع الحيوي، إذ يأتي البحث ضمن مشروع «كاليفورنيا للجينوميات والحفاظ على البيئة»، وهو مبادرة ممولة من الولاية لتطوير موارد جينية تسهم في حماية الحياة البرية.
وتكمن أهمية هذه البيانات في أن عناكب الأبواب الفخية نادراً ما تبتعد عن جحورها، ما يجعل تجمعاتها عرضة للعزلة الوراثية عندما تفصل بينها الحواجز الطبيعية أو التغيرات التي تطرأ على موائلها.
ومن خلال تحليل الحمض النووي، يستطيع العلماء تحديد التجمعات السكانية المختلفة، ورصد مستويات التنوع الجيني بينها، وتحديد المجموعات التي قد تحتاج إلى تدابير حماية خاصة.
وحذر بوند من أن تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر والحرائق والتوسع العمراني والأنواع الغازية، تمثل تهديدات متزايدة لهذه الكائنات، مشيراً إلى أن العناكب التي تعيش في المناطق الساحلية ستكون شديدة الحساسية لارتفاع منسوب البحار، كما تتأثر بدرجة كبيرة بانتشار الأنواع الدخيلة.
الأبواب الفخية
ويحمل هذا العنكبوت قصة تسمية غير مألوفة، إذ أطلق عليه اسم الكوميدي الأمريكي ستيفن كولبير عام 2008، بعدما علم أن بوند أطلق اسم الموسيقي نيل يونغ على نوع آخر من عناكب الأبواب الفخية، وطالب بالحصول على تكريم مماثل.
وجاءت مطالبته خلال فقرة «من الذي لا يكرمني الآن؟» في برنامجه التلفزيوني السابق «The Colbert Report»، ليستجيب الباحث لاحقاً بإطلاق اسم Aptostichus stephencolberti على النوع الجديد، مع الإشارة إلى أن حرف «T» في اسم كولبير صامت.
واليوم، يكتسب هذا العنكبوت شهرة علمية إضافية، بفضل جينومه الضخم الذي يثير تساؤلات جديدة حول تنوع المادة الوراثية وتطورها.
مركبات كيميائية
ومن المجالات الأخرى التي قد تستفيد من هذا الاكتشاف، دراسة المركبات الكيميائية الموجودة في سموم العناكب، والتي تحمل إمكانات واعدة في الطب والزراعة.
فبعض الجزيئات المستخلصة من السموم تخضع للدراسة لاستكشاف إمكانية استخدامها في تطوير علاجات لتخفيف الألم، فيما قد توفر مركبات أخرى أساليب جديدة لمكافحة الآفات الزراعية.
ولا يزال جزء كبير من التنوع الكيميائي الموجود في سموم العناكب غير مكتشف، وهو ما يجعل الجينوم الذي جرى فك شفرته حديثاً نقطة انطلاق لأبحاث مستقبلية قد تكشف عن مركبات طبيعية ذات تطبيقات طبية وزراعية.
وأكد بوند أن العلماء لا يزالون يجهلون إلى حد كبير حجم التنوع غير المستغل للمركبات الطبيعية الموجودة في سموم العناكب، ما يفتح المجال أمام مزيد من الدراسات لاستكشاف إمكاناتها.
دعم
ونُشرت الدراسة في 8 سبتمبر 2026 في مجلة «Journal of Heredity»، تحت عنوان «الجينوم المرجعي لعنكبوت الأبواب الفخية الكاليفورني Aptostichus stephencolberti»، وحظيت بدعم مشروع كاليفورنيا للجينوميات والحفاظ على البيئة، إلى جانب تمويل من المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة.

