حذّر باحثون من احتمال تصاعد الصراع بين البشر والفيلة في مناطق واسعة من جنوب القارة الأفريقية خلال العقود المقبلة، في ظل التوسع العمراني والزراعي المتزايد، والنمو السكاني، وتفاقم الجفاف المرتبط بالتغير المناخي، وهي عوامل تدفع الحياة البرية والمجتمعات الزراعية إلى التنافس على المساحات والموارد الطبيعية.
وتوقعت دراسة علمية حديثة أن تتسع المناطق المعرضة لمخاطر مرتفعة من غارات الفيلة على المحاصيل الزراعية بنسبة تتراوح بين 33% و100% بحلول عام 2085، ما ينذر بتفاقم الخسائر التي تتكبدها المجتمعات الريفية، وتهديد مصادر دخل الأسر الزراعية، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على جهود حماية الحياة البرية.
وتضم منطقة جنوب أفريقيا أكثر من 290 ألف فيل من فصيلة فيلة السافانا الأفريقية، أي ما يعادل نحو 70% من إجمالي أعداد هذه الفيلة في القارة.
ومع امتداد الأنشطة الزراعية إلى المناطق التي تشكل موائل طبيعية للفيلة، تتزايد احتمالات دخولها إلى الحقول بحثاً عن الغذاء، بما قد يؤدي إلى إتلاف المحاصيل وتهديد الأمن الاقتصادي للمزارعين، وإضعاف دعم المجتمعات المحلية لجهود الحفاظ على الحياة البرية.
غارات الفيلة
ولفهم العوامل التي تقف وراء هذه المواجهات، حلل فريق بحثي بقيادة إيفان باتريك سجلات غارات الفيلة على المحاصيل خلال الفترة من 2004 إلى 2020، في 38 محمية مجتمعية في ناميبيا، مستعيناً بأساليب إحصائية لتحديد العلاقات السببية، إلى جانب نماذج التعلم الآلي للتنبؤ بالمناطق الأكثر عرضة لوقوع هذه الحوادث.
وامتد نطاق التحليل ليشمل مناطق أوسع عبر الحدود، من بينها شمال بوتسوانا وأجزاء من أنغولا وزامبيا، وأظهرت النتائج أن النمو السكاني والتوسع في الأراضي الزراعية، إلى جانب ازدياد الجفاف في المناطق الأساسية المحمية للفيلة، تشكل أبرز العوامل المرتبطة بارتفاع مخاطر الصراع.
وارتبطت زيادة أعداد السكان بارتفاع معدلات اقتحام الفيلة للحقول خلال موسمي الأمطار والجفاف، في حين ارتبط التوسع في الأراضي المزروعة والمناطق المطورة بزيادة الحوادث خلال موسم الأمطار على وجه الخصوص.
كما كشفت النتائج أن تراجع الرطوبة والموارد الطبيعية داخل بعض موائل الفيلة المحمية قد يدفع الحيوانات إلى التوجه نحو المناطق الزراعية المجاورة بحثاً عن الغذاء والمياه، ما يزيد فرص الاحتكاك مع السكان.
مؤشرات
ورسم الباحثون خرائط للمناطق الأكثر عرضة لغارات الفيلة، بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات، شملت الغطاء النباتي، والقرب من الأنهار والطرق والأسوار الفاصلة بين المحميات والمناطق السكنية، وكثافة السكان، ومستويات إنتاجية النباتات.
وأظهرت النتائج أن الغطاء الشجري وكثافة الغطاء النباتي من أبرز المؤشرات التي تساعد على التنبؤ بمواقع الصراع، فيما تؤثر الطرق والأسوار في طبيعة التداخل بين مسارات حركة الفيلة والمستوطنات البشرية.
وشملت المناطق الأكثر عرضة للخطر المناطق الواقعة شمال متنزه إيتوشا الوطني في ناميبيا، والجزء الشمالي الشرقي من إقليم زامبيزي، إلى جانب أجزاء من شمال بوتسوانا المحيطة بدلتا أوكافانغو ومحمية موريْمي للحياة البرية، حيث تتداخل موائل الفيلة مع الأراضي المستخدمة للزراعة.
كما رصدت الدراسة تفاوتاً موسمياً واضحاً في معدلات اقتحام الحقول، إذ سجلت البيانات التاريخية متوسطاً للحوادث في خلايا الخرائط خلال موسم الأمطار يزيد على عشرة أضعاف المعدل المسجل في موسم الجفاف، بما يعكس تأثير التغيرات الموسمية في النشاط الزراعي والغطاء النباتي على طبيعة المواجهات.
4 سيناريوهات
ولرصد تطورات الظاهرة حتى عام 2085، وضع الفريق البحثي نماذج تستند إلى توقعات المناخ والنمو السكاني والتغيرات في استخدام الأراضي، واختبر أربعة سيناريوهات مستقبلية مختلفة.
وأشارت جميع السيناريوهات إلى احتمال ارتفاع وتيرة غارات الفيلة واتساع رقعة المناطق المعرضة لمخاطرها، وإن اختلف حجم الزيادة تبعاً لطبيعة التنمية والتغيرات المتوقعة في استخدام الأراضي.
وسجل سيناريو «التنافس الإقليمي»، الذي يفترض نمواً سكانياً كبيراً وتحولاً واسعاً في استخدام الأراضي، أعلى مستويات الزيادة المتوقعة، إذ بلغ عدد غارات الفيلة على المحاصيل خلال موسم الأمطار نحو ضعف المستوى المتوقع في سيناريو التنمية الأكثر استدامة.
ولفت الباحثون إلى أن السيناريو الذي يتضمن أشد التأثيرات المناخية لم يكن الأعلى من حيث مستويات الصراع، ما يعزز أهمية الدور الذي يلعبه النشاط البشري في تشكيل مستقبل العلاقة بين المجتمعات والفيلة.
توسع مكثف
وتخلص الدراسة إلى أن التوسع المكثف في استخدام الأراضي من جانب البشر قد يؤدي إلى أكبر الزيادات في حدة الصراع، فيما تظل التأثيرات المناخية عاملاً مهماً، وإن كان أقل تأثيراً مقارنة بالتغيرات التي تفرضها الأنشطة البشرية.
وتبرز هذه النتائج أهمية التخطيط لاستخدام الأراضي، وحماية الممرات الطبيعية التي تتحرك عبرها الفيلة، وتعزيز التدابير الوقائية لحماية المحاصيل، بما يضمن الحد من الخسائر التي يتكبدها المزارعون، ويعزز التعايش بين المجتمعات المحلية والحياة البرية.

