في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه إنتاج الكاكاو عالمياً، ويهدد انتشار الأمراض النباتية وتقلبات المناخ محاصيله، توصل علماء إلى خطوة علمية واعدة قد تساعد في حماية أحد أهم المحاصيل الزراعية المرتبطة بصناعة الشوكولاتة، من خلال تعديل جيني بالغ الدقة لم يتطلب سوى تغيير حرفين في الحمض النووي للنبات.
وتمكن باحثون في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية من تطوير أصناف من أشجار الكاكاو تتمتع بمقاومة أكبر لمرض «تعفن القرون الأسود»، الذي يتسبب في خسارة نحو 30% من إنتاج الكاكاو عالمياً، ويشكل تهديداً مباشراً لمعيشة ملايين المزارعين الذين يعتمدون على زراعة هذا المحصول.
وأظهرت التجارب المخبرية أن التعديل الجيني أسهم في خفض الإصابة بالمرض بنحو 42%، في نتيجة تعزز الآمال بإمكانية تطوير أشجار أكثر قدرة على مواجهة الأمراض، والحد من خسائر المحاصيل، دون الاحتفاظ بأي حمض نووي غريب في النباتات الناتجة.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على إنتاج الكاكاو، نتيجة تغير أنماط الطقس وارتفاع الرطوبة وتقلب درجات الحرارة، وهي عوامل تهيئ بيئة ملائمة لانتشار مسببات الأمراض والآفات الزراعية.
وقال مارك غيلوتينان، أستاذ علم النبات البستاني والأحياء الجزيئية النباتية في جامعة ولاية بنسلفانيا، إن الشوكولاتة تبدو للمستهلك منتجاً متوافراً بصورة دائمة على أرفف المتاجر، لكن وراءها محصولاً وصناعة يواجهان تحديات كبيرة، مؤكداً أن الهدف من الأبحاث هو توفير أدوات تساعد المزارعين على مواصلة إنتاج الكاكاو بصورة مستدامة ومجدية اقتصادياً.
غابات مطيرة
وتكمن حساسية أشجار الكاكاو تجاه التغيرات البيئية في طبيعة موطنها الأصلي، إذ نشأت في الغابات المطيرة بمنطقة الأمازون، وكانت تنمو تحت ظلال الأشجار الكثيفة التي توفر لها بيئة مستقرة نسبياً من حيث درجات الحرارة والرطوبة ومعدلات هطول الأمطار.
لكن زراعة الكاكاو توسعت اليوم لتشمل مناطق استوائية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث تختلف الظروف المناخية عن بيئتها الأصلية، ما يجعل الأشجار أكثر عرضة للإجهاد البيئي والأمراض.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن تطوير أصناف جديدة من الكاكاو بالطرق التقليدية يستغرق وقتاً طويلاً؛ إذ تحتاج الشجرة إلى نحو ثلاث سنوات حتى تنضج وتبدأ إنتاج البذور، فيما قد تستغرق عملية استنباط صنف جديد واختباره عقوداً.
وقالت سيلا ماكسيموفا، أستاذة أبحاث التكنولوجيا الحيوية النباتية المشاركة في الدراسة، إن المناخ يتغير بوتيرة أسرع من قدرة هذه الأشجار على التكيف طبيعياً، ما يجعل تطوير أدوات علمية تساعد المربين على الاستجابة السريعة لهذه التحديات أمراً ضرورياً.
تهجين تقليدي
وفي الدراسة المنشورة في دورية «Plant Biotechnology Journal»، جمع الفريق البحثي بين تسلسل الجينوم وتقنية تحرير الجينات «كريسبر» (CRISPR)، وأساليب التهجين التقليدي، لتطوير أشجار كاكاو أكثر مقاومة لمرض تعفن القرون الأسود، الذي تسببه كائنات ممرضة شبيهة بالفطريات من جنس «فيتوفثورا» (Phytophthora).
واستهدف الباحثون جيناً يُعرف باسم «TcNPR3»، يؤدي دوراً في كبح الاستجابة المناعية الطبيعية للنبات. ومن خلال إجراء تعديل دقيق عليه، تمكنوا من تخفيف هذا الكبح، بما يسمح بتنشيط دفاعات الشجرة الطبيعية وتعزيز قدرتها على مواجهة العدوى.
وكان اللافت أن التغيير اقتصر في إحدى التجارب على تعديل قاعدتين فقط من قواعد الحمض النووي ضمن الجينوم الكامل للنبات، الذي يضم نحو 450 مليون قاعدة، ومع ذلك أسهم هذا التغيير المحدود في تقليل الإصابة بالمرض بنسبة 42% في الظروف المخبرية.
ولم يكتف الباحثون بإجراء التعديل الجيني، بل استخدموا التهجين التقليدي لاحقاً لإزالة المواد الوراثية الأجنبية المرتبطة بعملية التحرير الجيني، بحيث احتفظت النباتات بالتغيير المفيد، من دون بقاء الحمض النووي الغريب في تركيبها النهائي.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الخاصية قد تمنح النباتات مساراً تنظيمياً مختلفاً عن المحاصيل المعدلة وراثياً التقليدية، وفق الأطر المعمول بها لبعض تقنيات التحرير الجيني في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
تجارب مخبرية
ورغم النتائج المشجعة، لا يزال الطريق أمام اعتماد هذه الأصناف تجارياً يتطلب مزيداً من الاختبارات، إذ لا تعكس التجارب المخبرية بالضرورة قدرة الأشجار على مقاومة المرض في ظل الظروف الزراعية والمناخية المتغيرة.
وبدأت بالفعل تجارب ميدانية بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية في هاواي وبورتوريكو، بهدف تقييم أداء النباتات المعدلة في بيئات زراعية حقيقية، والتحقق من استمرار قدرتها على مقاومة المرض قبل التوسع في إنتاجها.
وفي خطوة لدعم انتقال التقنية من المختبر إلى الأسواق، أبرمت جامعة ولاية بنسلفانيا اتفاقية ترخيص مع شركة «AgroNetica» المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية للكاكاو، حصلت بموجبها الشركة على الحقوق التجارية للنباتات التي تحمل التعديل الجيني المقاوم للمرض.
وتعتزم الشركة مواصلة الاختبارات وتوسيع نطاق الإنتاج، تمهيداً لإتاحة الأصناف المطورة للمزارعين في الدول المنتجة للكاكاو.
ويرى الباحثون أن نجاح هذه الخطوة لن يقتصر على تقليل خسائر محصول الكاكاو، بل قد يمثل نموذجاً لكيفية توظيف التحرير الجيني الدقيق لتطوير محاصيل زراعية أكثر قدرة على مواجهة الأمراض والتغيرات المناخية، وحماية سلاسل الإمداد الغذائي التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص حول العالم.




