خلايا النحل.. «جهاز مناعي حي» يحمي المستعمرة من الأمراض والميكروبات

في اكتشاف علمي يكشف جانباً جديداً من أسرار عالم النحل، توصل باحثون إلى أن خلية نحل العسل ليست مجرد مأوى تعيش فيه آلاف الحشرات، بل تعمل أشبه بـ«جهاز مناعي حي» يمتلك منظومة دفاع طبيعية متكاملة، تحمي المستعمرة من البكتيريا والفطريات، وتوفر بيئة آمنة لنمو اليرقات وتخزين الغذاء.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في " دوريةISME Communications"،  العلمية في 19 أكتوبر 2026، أن النحل لا يعتمد على قدراته الفردية وحدها لمواجهة الأمراض، بل يوظف المواد الطبيعية التي يجمعها وينتجها، مثل العسل والبروبوليس وشمع النحل وحبوب اللقاح، لبناء طبقات متتابعة من الحماية داخل الخلية.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، كينيا فرنانديز، إن خلايا النحل ليست مجرد منازل لهذه الحشرات، بل تؤدي وظائف متعددة، فهي أماكن للعمل وتناول الغذاء والرعاية الصحية، ويمكن إضافة وظيفة جديدة إليها، تتمثل في عملها كأجهزة مناعية تحمي المستعمرة بأكملها.

وكشف الباحثون أن المواد المضادة للميكروبات تتوزع داخل الخلية وفق تنظيم دقيق، إذ تتركز أقوى آليات الحماية في المناطق الأكثر تعرضاً للعوامل الخارجية.

وسجل العسل نشاطاً قوياً في مقاومة الميكروبات، بفضل احتوائه على مركبات نشطة بيولوجياً، من بينها بيروكسيد الهيدروجين، فيما يوفر البروبوليس، وهو مادة راتنجية لزجة يجمعها النحل من النباتات ويستخدمها لسد الشقوق والفتحات، طبقة إضافية من الحماية، بفضل احتوائه على مركبات نباتية تعرف باسم الفلافونويدات.

وكلما اتجه الباحثون نحو مركز الخلية، حيث توجد البيوض واليرقات، أصبحت آليات الدفاع أكثر تخصصاً وانتقائية. فالأقراص الشمعية وحبوب اللقاح المخزنة، إلى جانب إفرازات النحل نفسه، تسهم في الحد من البكتيريا والفطريات الضارة، مع الحفاظ على الكائنات الدقيقة النافعة التي تدعم التوازن الميكروبي داخل المستعمرة.

والمثير في النتائج أن هذه المواد لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتكامل وظائفها ضمن منظومة دفاع منظمة، تحمي مراحل نمو النحل وتوفر بيئة مناسبة لتخزين حبوب اللقاح المخمرة التي يتغذى عليها.

مستعمرة

ولفهم كيفية تشكل هذه المنظومة، درس الباحثون 24 مستعمرة لنحل العسل موزعة على خمسة مواقع لتربية النحل في كلية توكال بولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية، وحللوا التركيب الكيميائي والخصائص المضادة للميكروبات في العسل وحبوب اللقاح والشمع والبروبوليس، إلى جانب فحص الكائنات الدقيقة الموجودة في الجهاز الهضمي للنحل واختبار الخصائص الدفاعية لأنسجته وإفرازاته.

وأظهرت النتائج أن عدداً من الكائنات الدقيقة الموجودة في مواد الخلية يُرجح أن مصدره رحيق الأزهار، كما رصد الباحثون اختلافات واضحة في التركيب الكيميائي للمواد الدفاعية بين المستعمرات القريبة من المناطق الطبيعية التي تضم نباتات محلية متنوعة، وتلك الموجودة بالقرب من الأراضي الزراعية.

وتشير هذه النتائج إلى أن التنوع النباتي في البيئة المحيطة لا يوفر الغذاء للنحل فحسب، بل يؤثر أيضاً في جودة المواد التي يجمعها وفي قدرته الطبيعية على مقاومة مسببات الأمراض.

وأكدت إليزابيث فروست، المشاركة في الدراسة والاختصاصية الفنية لشؤون النحل في إدارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية بولاية نيو ساوث ويلز، أن صحة خلايا النحل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة النظم البيئية المحيطة بها، محذرة من أن إزالة الغطاء النباتي والتوسع في الزراعة المكثفة قد يؤديان تدريجياً إلى إضعاف دفاعاتها الطبيعية.

منظومة دفاعية

وأظهرت الدراسة أن المنظومة الدفاعية داخل الخلايا كانت أكثر فاعلية عموماً في مواجهة البكتيريا مقارنة بالفطريات، ويرجح الباحثون أن ذلك يرتبط بحجم التهديد الذي تمثله بعض الأمراض البكتيرية، ومن أبرزها مرض تعفن الحضنة الأمريكي، وهو مرض شديد العدوى يصيب يرقات نحل العسل وقد يؤدي إلى تدمير المستعمرة بأكملها.

ولا تقتصر التهديدات التي تواجه النحل على الطفيليات والأمراض المباشرة، مثل عثة الفاروا، بل تمتد إلى تراجع الموائل الطبيعية وانحسار التنوع النباتي، بما ينعكس سلباً على قدرة المستعمرات على الصمود ومقاومة العدوى.

ويرى الباحثون أن الحفاظ على البيئات الغنية بالنباتات المزهرة والمتنوعة يمثل خطوة أساسية لدعم صحة النحل، وحماية دوره الحيوي في تلقيح النباتات واستدامة النظم البيئية.

وتفتح النتائج الباب أمام دراسات جديدة لمعرفة ما إذا كانت الحشرات الاجتماعية الأخرى، مثل النحل الأسترالي عديم اللسع والنمل والنمل الأبيض، تمتلك منظومات دفاع مماثلة تعتمد على الخصائص الكيميائية لمساكنها، بما يكشف مزيداً من أسرار التنظيم المذهل في عالم الحشرات.