تستعد ولاية كارولينا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية لاستضافة سلسلة من الاجتماعات المهمة لمجموعة العشرين يومي الاثنين والثلاثاء 31 أغسطس و1 سبتمبر 2026. تأتي هذه الاجتماعات في وقت بالغ الحساسية للاقتصاد الدولي، في ظل التوترات التجارية، وارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب الأسواق المالية، وتصاعد الخلافات بشأن العقوبات والتجارة الدولية والذكاء الاصطناعي.
وتتركز الاجتماعات المالية الرئيسية في مدينة أشفيل، حيث يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في دول مجموعة العشرين يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر. وقد سبقت هذه الاجتماعات لقاءات نواب وزراء المالية ونواب محافظي البنوك المركزية يومي 29 و30 أغسطس. ويؤكد الجدول الرسمي للرئاسة الأمريكية لمجموعة العشرين أن اجتماع أشفيل يمثل محطة رئيسية في مسار مجموعة العشرين المالي لعام 2026.
يحظى اجتماع أشفيل بأهمية خاصة لأنه يجمع المسؤولين عن السياسة المالية والنقدية في أكبر الاقتصادات العالمية. ويترأس الجانب الأمريكي وزير الخزانة، سكوت بيسنت، الذي يسعى إلى دفع مجموعة العشرين نحو التركيز على النمو الاقتصادي، وتصحيح الاختلالات التجارية، وإدارة الديون السيادية، وتعزيز سلاسل الإمداد العالمية.
اضطرابات سلاسل الإمداد
ومن أبرز الملفات التي ستطرح على الطاولة النمو الاقتصادي العالمي. فبعد سنوات من الصدمات المتتالية، بما فيها تداعيات الجائحة واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، تواجه الاقتصادات الكبرى تحديات تتعلق بضعف النمو وارتفاع تكاليف التمويل وتزايد أعباء الدين العام. وتريد الولايات المتحدة أن تركز المجموعة بصورة أكبر على السياسات التي يمكن أن تعزز الإنتاجية والاستثمار والنمو طويل الأجل.
وستكون التجارة العالمية ملفاً شديد الحساسية، فالولايات المتحدة تضغط باتجاه معالجة ما تعتبره اختلالات تجارية ناتجة عن سياسات إنتاج ودعم صناعي في بعض الاقتصادات الكبرى. ومن المتوقع أن تظهر الخلافات بشأن الصين على وجه الخصوص، بسبب المخاوف الأمريكية من فائض الإنتاج والصادرات، إضافة إلى قضايا سعر الصرف والمنافسة الصناعية.
في المقابل من المرجح أن تواجه واشنطن اعتراضات من شركائها الأوروبيين والآسيويين إذا تحولت المناقشات إلى انتقادات للسياسات التجارية الأمريكية أو الرسوم الجمركية. ولذلك فإن اجتماع أشفيل لن يكون مجرد اجتماع فني لوزراء المالية، بل سيكون أيضاً اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة التوافق داخل المجموعة خلال رئاستها الحالية.
إيران والعقوبات
من الملفات التي تضفي على الاجتماع حساسية إضافية مسألة العقوبات على إيران. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى الحصول على دعم أوسع من دول مجموعة العشرين لسياساتها المتعلقة بالضغط الاقتصادي على طهران، بما في ذلك الحد من العلاقات التجارية والمالية معها.
ووفق تقارير حديثة، تعتزم واشنطن حث شركائها على الالتزام بالعقوبات الأمريكية، مع التلويح بإجراءات عقابية ضد الجهات التي تواصل علاقاتها الاقتصادية مع إيران. وتزداد أهمية هذا الملف بسبب تأثير الحرب في المنطقة على أسواق الطاقة. فأي اضطراب في تدفقات النفط والغاز يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس مباشرة على التضخم والنمو وأسعار الفائدة في مختلف أنحاء العالم.
الديون وأسواق السندات
ومن المتوقع أيضاً أن تكون الديون السيادية وأسواق السندات من القضايا الأساسية. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض في عدد من الاقتصادات الكبرى، فيما تواجه الحكومات ضغوطاً متزايدة لتمويل الإنفاق العام في بيئة تتسم بأسعار فائدة مرتفعة نسبياً.
وتأتي المناقشات في أشفيل بعد تحركات أمريكية مرتبطة بسوق سندات الخزانة، وسط اهتمام كبير بتطورات عوائد السندات طويلة الأجل. وبالتالي سيكون للاستقرار المالي العالمي، واستدامة المالية العامة، والسياسات النقدية للبنوك المركزية، حضور قوي في المحادثات.
ويكتسب اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية أهمية إضافية بسبب انتقال النقاش العالمي تدريجياً من مرحلة معالجة الأزمات إلى البحث عن نموذج أكثر استدامة للنمو والاستثمار. ومن المنتظر أن يحاول المشاركون تحقيق قدر من التوافق، حتى في القضايا التي يصعب الوصول فيها إلى اتفاق سياسي كامل.
الذكاء الاصطناعي يدخل الأجندة
ولا تقتصر اجتماعات مجموعة العشرين في كارولينا الشمالية على المسار المالي. ففي 1 و2 سبتمبر تستضيف منطقة رالي-دورهام اجتماع وزراء الابتكار في مجموعة العشرين، مع تركيز كبير على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.
ومن المقرر أن تستضيف تشابل هيل جانباً مهماً من هذه الاجتماعات، حيث يجتمع مسؤولون حكوميون وتجاريون مع عدد من أبرز قادة قطاع التكنولوجيا. ومن بين الأسماء التي أعلنت مشاركتها أو المتوقع حضورها سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن أيه آي»، وجنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، إلى جانب شخصيات أخرى من قطاع التكنولوجيا.
ويعكس هذا الاجتماع اتجاهاً جديداً في أجندة مجموعة العشرين، يتمثل في الربط بين السياسة الاقتصادية والتطور التكنولوجي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية منفصلة، بل أصبح مرتبطاً بالإنتاجية، وسوق العمل، والاستثمار، والأمن الاقتصادي، والقدرة التنافسية للدول.
وتسعى الولايات المتحدة إلى الدفع نحو نهج تنظيمي مرن للذكاء الاصطناعي، يقوم على تشجيع الابتكار والشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص، بدلاً من إنشاء أطر تنظيمية قد تعتبرها واشنطن عائقاً أمام التطور التكنولوجي. ومن المتوقع أن تكون هذه الرؤية موضع نقاش مع دول أخرى تختلف في مقاربتها لتنظيم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
أهمية الاجتماعات
لا تحمل الاجتماعات أهمية دولية فقط، بل لها بعد أمريكي ومحلي واضح. فقد اختارت الإدارة الأمريكية أشفيل لاستضافة اجتماعات المسار المالي في إطار التأكيد على دعم منطقة غرب كارولينا الشمالية، التي لا تزال تتعافى من آثار الإعصار هيلين الذي ألحق أضراراً كبيرة بالمنطقة.
ومن الناحية الاقتصادية يوفر حضور مئات المسؤولين والشخصيات الدولية فرصة لزيادة الاهتمام بالمنطقة وتعزيز صورتها كمركز قادر على استضافة فعاليات عالمية. وتشير تقديرات محلية إلى مشاركة أكثر من 500 شخص في الاجتماعات المالية، بما في ذلك مسؤولون اقتصاديون وقادة من القطاع الخاص.
وفي تشابل هيل، تستعد السلطات المحلية أيضاً لزيادة الإجراءات الأمنية وحركة المرور بسبب اجتماع الابتكار، الذي سيجذب مسؤولين حكوميين وشخصيات بارزة من قطاع التكنولوجيا. ومن المتوقع أن يكون الحضور الأمني والتنظيمي أكبر من المعتاد حول مواقع الاجتماعات.
وفي الختام، يمكن القول بأن اجتماعات مجموعة العشرين في كارولينا الشمالية هذا الأسبوع تشكل اختباراً مهماً للتعاون الدولي في مرحلة تتزايد فيها الخلافات بين الاقتصادات الكبرى، ففي أشفيل يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر سيكون التركيز على النمو والتجارة والديون والاستقرار المالي والطاقة والعقوبات، بينما ينتقل جزء من الاهتمام في 1 و2 سبتمبر إلى منطقة رالي-دورهام وتشابل هيل لمناقشة الابتكار والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.
وتكمن أهمية هذه الاجتماعات في أنها تجمع بين مسارين أصبحا مترابطين بصورة متزايدة: السياسة الاقتصادية من جهة، والتكنولوجيا من جهة أخرى. فالقدرة على تحقيق النمو العالمي باتت تعتمد بدرجة متزايدة على الابتكار والذكاء الاصطناعي والاستثمار، في حين أن مستقبل التكنولوجيا نفسه يتأثر بالقرارات التجارية والمالية والتنظيمية.
ومن ثم، فإن اجتماعات كارولينا الشمالية لن تكون مجرد لقاءات دورية لمسؤولي مجموعة العشرين، بل ستكون مناسبة لقياس مدى قدرة أكبر الاقتصادات العالمية على الوصول إلى أرضية مشتركة في ظل خلافات عميقة حول التجارة والجغرافيا السياسية والطاقة والتكنولوجيا. كما ستكون اختباراً للرئاسة الأمريكية للمجموعة، ولقدرتها على دفع أجندتها الاقتصادية والتكنولوجية مع الحفاظ على الحوار بين الدول الأعضاء.
