استعرضت الجلسة الأولى من المؤتمر الدولي الـ12 للغة العربية، الذي انطلقت أعماله في دبي، جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز مكانة اللغة العربية وترسيخ حضورها في مختلف مجالات الحياة، من خلال منظومة متكاملة من المبادرات والمشروعات الوطنية التي تجمع بين صون التراث اللغوي وتطوير التعليم وتشجيع القراءة ودعم التأليف والترجمة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إنتاج المعرفة ونشرها، إلى جانب الجهود التشريعية والمؤسسية الرامية إلى حماية العربية وتعزيز ارتباطها بالهوية الوطنية.
وأكد المشاركون في الجلسة، التي حملت عنوان «جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في خدمة اللغة العربية»، أن التجربة الإماراتية تقدم نموذجاً رائداً في الانتقال من المحافظة على اللغة باعتبارها إرثاً حضارياً وثقافياً إلى تمكينها من المشاركة الفاعلة في صناعة المعرفة والابتكار، مشيرين إلى أن المبادرات الإماراتية أسهمت في توسيع حضور العربية محلياً وعالمياً، وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية، بما يضمن استمرار دورها لغةً للعلم والتواصل والإبداع.
وأكد الأستاذ الدكتور عمرو عزت سلامة، الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية ورئيس الجلسة، أن دولة الإمارات قدمت تجربة متكاملة في خدمة اللغة العربية، من خلال مبادرات ومشروعات تجمع بين صون التراث اللغوي وتطوير التعليم وتشجيع القراءة وإنتاج المعرفة والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب توسيع حضور العربية خارج حدود العالم العربي.
وأوضح أن اللغة العربية يتحدث بها نحو 450 مليون إنسان حول العالم، فيما يمتد حضورها الديني والحضاري إلى فضاء إسلامي يضم أكثر من ملياري نسمة، ما يمنحها مكانة عالمية استثنائية، مشيراً إلى أن أهمية اللغة لا تُقاس بتاريخها وعدد المتحدثين بها فحسب، وإنما بقدرتها على مواكبة التحولات والمشاركة في إنتاج المعرفة والابتكار، مؤكداً أن التحدي اليوم لا يتمثل في المحافظة على العربية وحدها، بل في ضمان قدرتها على صناعة المستقبل.
إنجازات
وأشار إلى أن المعجم التاريخي للغة العربية في الشارقة يمثل أحد أبرز الإنجازات العلمية في توثيق تاريخ اللغة وتطور مفرداتها ومعانيها عبر العصور، بعدما اكتمل في 127 مجلداً تضم نحو 21.5 مليون كلمة، بما يوفر مرجعاً علمياً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ العربية، إلى جانب تحدي القراءة العربي الذي تحول إلى مشروع واسع النطاق يشجع ملايين الطلبة على القراءة باللغة العربية، ومنصة «مدرسة» التي تقدم آلاف الفيديوهات التعليمية باللغة العربية، بما يعزز حضورها في المجالات العلمية والمعرفية.
ولفت إلى جهود مركز أبوظبي للغة العربية، ومنها برنامج «نتحدث العربية»، إلى جانب المبادرات الإماراتية الداعمة لتعليم العربية في المؤسسات الأكاديمية خارج العالم العربي، مؤكداً أن الارتقاء بمكانة اللغة يتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى جهود عربية متكاملة، ومن الاعتزاز بالعربية إلى تمكينها من أداء دور فاعل في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا وصناعة المستقبل.
اهتمام
من جانبه، أكد الدكتور محمد المزروعي، المدير التنفيذي لمكتبة محمد بن راشد، أن دولة الإمارات تولي اللغة العربية اهتماماً كبيراً، ينعكس في المبادرات والمشروعات والجوائز المعنية بخدمتها، مشيراً إلى وجود ما لا يقل عن 18 جائزة إماراتية تدعم اللغة العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يعكس حجم الاهتمام المؤسسي بتعزيز مكانتها ودعم الإنتاج الفكري والأدبي العربي.
وأوضح أن مكتبة محمد بن راشد حرصت منذ تأسيسها على أن يشكل المحتوى العربي ما لا يقل عن 50% من مجموع محتواها الورقي، ونجحت في المحافظة على هذه النسبة رغم التنوع الثقافي واللغوي الكبير الذي تتميز به دبي، باعتبار المكتبة مؤسسة معرفية عامة تستقبل مختلف الجنسيات والثقافات، مشيراً إلى أن المكتبة تمتلك كذلك رصيداً واسعاً من الكتب الإلكترونية والمراجع المعرفية التي تعزز وصول القراء إلى مصادر المعرفة.
وأشار إلى أن المكتبة تحتفظ بأكثر من 29 ألف عدد من الدوريات العربية، بما يسهم في حفظ الإنتاج الفكري والمعرفي العربي وإتاحته للباحثين والقراء والأجيال المقبلة، مؤكداً أن دور المكتبات يتجاوز توفير الكتب والمراجع إلى حماية الذاكرة الثقافية والمعرفية، وضمان استمرار حضور اللغة العربية في مختلف مجالات المعرفة.
وأضاف أن المكتبة أصدرت حتى الآن 14 كتاباً مترجماً، ضمن جهودها لدعم حركة الترجمة وإثراء المحتوى المعرفي العربي، إلى جانب تنفيذ مبادرة بالتعاون مع الأرشيف الوطني ووزارة الثقافة لإحياء الإصدارات الوطنية القديمة وحمايتها من الاندثار، مع التركيز في مرحلتها الأولى على الإصدارات الحكومية التي تعود إلى المراحل المبكرة من تاريخ الدولة، بما يسهم في حفظ جانب مهم من تاريخها المعرفي والمؤسسي.
وأكد المزروعي أن قانون تأسيس مكتبة محمد بن راشد رقم 14 لسنة 2016 وضع المحافظة على اللغة العربية وإثراءها ضمن أهداف المكتبة الأساسية، إلى جانب تشجيع الإنتاج الفكري والأدبي العربي، ودعم حركة التأليف والترجمة ونقل المعرفة بين الثقافات، مشدداً على أن المكتبات تمثل مؤسسات فاعلة في صون التراث الفكري وتعزيز حضور العربية في المجتمع.
مرتكزات
وفي محور الجهود التشريعية، استعرض الدكتور عبدالله حمد الحمادي، رئيس لجنة التعليم والثقافة والشباب والإعلام بالمجلس الوطني الاتحادي، جهود المجلس في مناقشة ملف حماية اللغة العربية وصون الهوية الوطنية، مؤكداً أن الأمن اللغوي يمثل أحد المرتكزات الأساسية للمحافظة على الهوية الثقافية والوطنية، وأن ضعف حضور اللغة ينعكس على ارتباط الأجيال بثقافتها وقيمها وانتمائها.
وأوضح أن المجلس الوطني الاتحادي، بمبادرة ودعم من معالي صقر غباش، رئيس المجلس، ناقش موضوعاً عاماً يتعلق بحماية اللغة العربية، انتهى إلى توصيتين رئيسيتين رُفعتا إلى مجلس الوزراء، تتمثلان في إنشاء مجلس وطني للهوية الوطنية واللغة العربية، وسن تشريع مستقل لحماية العربية وتعزيز حضورها في مختلف القطاعات، وذلك بعد دراسة الموضوع وإعداد تقرير شامل بمشاركة الجهات والمؤسسات المعنية، ومن بينها وزارة الثقافة.
وأشار إلى أن المجلس الوطني المقترح يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ويضم أعضاء متخصصين ومؤهلين، إلى جانب أمانة وموازنة مستقلتين، بما يمكنه من الاضطلاع بدور مؤسسي في وضع السياسات والتشريعات المتعلقة بحماية اللغة العربية، ومتابعة تنفيذها، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بصون اللغة والهوية الوطنية.
وبيّن أن التوصية المتعلقة بسن تشريع مستقل لحماية العربية تتناول 6 محاور رئيسية تشمل التشريع والتنظيم، والتعليم، والإعلام، والتعريب، وتطوير التكنولوجيا، والحماية والرقابة، بما يوفر إطاراً متكاملاً لتعزيز حضور اللغة في مختلف المجالات.
وأوضح أن المقترحات التشريعية تتضمن تعزيز تدريس اللغة العربية مادةً أساسيةً في المدارس الحكومية والخاصة، وترسيخ استخدامها في المؤسسات الإعلامية وبرامجها ومحتواها الإعلاني، مع وضع ضوابط تضمن إبراز العربية بصورة رئيسية عند استخدام لغات أجنبية في الإعلانات المرئية والمسموعة والمكتوبة.
وأضاف أن التوصيات تشمل تشكيل لجنة متخصصة لتعريب المصطلحات العلمية والفنية والتقنية من اللغات الأجنبية إلى العربية، وتعميم المصطلحات المعتمدة على الوزارات والمؤسسات الاتحادية، إلى جانب تشجيع تطوير البرمجيات والتطبيقات الرقمية باللغة العربية، بما يعزز قدرتها على مواكبة التطورات التكنولوجية.
وشدد الحمادي على أن حماية اللغة العربية تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، وأن تعزيز الأمن اللغوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية الهوية الثقافية والوطنية، انطلاقاً من مبدأ «لا هوية بلا لغة ولا لغة بلا هوية».
ارتباط
من جانبها، استعرضت أمينة الكواري، مدير إدارة تمكين التربويين في هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي، جهود الهيئة في تعزيز تعليم اللغة العربية وترسيخ ارتباطها بالهوية الإماراتية، مؤكدة أن الهيئة تعمل وفق 5 مسارات متكاملة تجمع بين وضوح الرؤية وجودة الممارسة التعليمية، وتستهدف تحسين مخرجات تعلم العربية، وتمكين الأطفال من استخدامها بثقة في المدرسة والمنزل والمجتمع.
وأوضحت أن الهيئة أطلقت مبادرة «لغة الضاد» ضمن استراتيجية التعليم في دبي 2033، بهدف الارتقاء بجودة تعليم العربية ومخرجات تعلمها، وتعزيز قدرة المتعلمين على الفهم والتعبير والتواصل باللغة العربية منذ سنوات حياتهم الأولى، مشيرة إلى أن المبادرة تستهدف تحويل الاعتزاز باللغة إلى ممارسات تعليمية وتجارب يومية تعزز ارتباط الأطفال بها.
وأشارت إلى أن الهيئة بدأت في سبتمبر 2025 التطبيق المرحلي لسياسة تعليم اللغة العربية في مرحلة الطفولة المبكرة، استناداً إلى سياسة تحسين الأداء في اللغة العربية والتربية الإسلامية التي اعتمدها المجلس التنفيذي لإمارة دبي، وذلك ضمن جهود تطوير جودة التعليم وترسيخ المهارات اللغوية الأساسية لدى الأطفال.
تنوع
وأكدت أن منظومة التعليم الخاص في دبي تعكس تنوعاً ثقافياً ولغوياً واسعاً، إذ تضم نحو 180 جنسية وثقافة، وتطبق مدارسها الخاصة نحو 17 منهاجاً تعليمياً، إلى جانب نحو 14 منهاجاً وبرنامجاً تعليمياً في مرحلة الطفولة المبكرة، ما يجعل تعزيز حضور العربية مسؤولية تعليمية وثقافية تتطلب توفير بيئة تعلم جاذبة لجميع الطلبة، سواء الناطقين بها أو بغيرها.
ولفتت إلى أن الهيئة تسعى إلى جعل العربية لغة حية يعتز بها الناطقون بها، ويُقبل على تعلمها الناطقون بغيرها، من خلال ربطها بثقافة الإمارات وقيمها ومجتمعها، وتقديم تجارب تعليمية تعكس الهوية الوطنية في الممارسات اليومية، بما يجعل اللغة وسيلة للتواصل والانتماء والتفاعل مع المجتمع.
وشددت على أن الاعتزاز باللغة العربية يجب ألا يقتصر على الشعارات والكلمات، بل ينبغي أن ينعكس في التجارب التي يعيشها الأطفال من خلالها، وأن يجد الطفل في العربية حكاية تشبه بيته، وقيمة يفتخر بها مجتمعه، وسؤالاً يوسع نظرته إلى العالم، مؤكدة أهمية التكامل بين المدرسة والأسرة والمجتمع في بناء علاقة إيجابية ومستدامة مع اللغة.
ريادة
بدوره، أكد الدكتور عيسى صالح الحمادي، مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج، أن دولة الإمارات قدمت نموذجاً رائداً في خدمة اللغة العربية، من خلال منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات الوطنية والسياسات التعليمية والمبادرات الثقافية والتقنيات الحديثة، مشيراً إلى أن جهود الدولة تجاوزت المحافظة على اللغة بوصفها مكوناً أساسياً للهوية الوطنية، إلى تعزيز حضورها في مجالات المعرفة والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن هذه الجهود تستند إلى قاعدة تشريعية راسخة، أبرزها المادة السابعة من دستور دولة الإمارات التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للاتحاد، إلى جانب ميثاق اللغة العربية الذي أُطلق عام 2012، بما يعكس التزام الدولة بترسيخ مكانة العربية في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن الإمارات نجحت في تحويل دعم اللغة العربية إلى مشروعات ومبادرات ذات تأثير يتجاوز حدودها الجغرافية، وفي مقدمتها «تحدي القراءة العربي» الذي أُطلق عام 2015 ضمن مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، وأسهم في تشجيع ملايين الطلبة على القراءة باللغة العربية، إلى جانب جائزة محمد بن راشد للغة العربية، ومبادرة «بالعربي»، ومشروع «كلمة» للترجمة، والمعجم التاريخي للغة العربية الذي يشرف عليه مجمع اللغة العربية بالشارقة.
ولفت إلى أن هذه المشروعات تعكس رؤية إماراتية تقوم على الانتقال باللغة العربية من نطاق المحافظة على الموروث الثقافي إلى فضاءات الإنتاج المعرفي والإبداع والتواصل العالمي، مع توظيف التكنولوجيا الحديثة لتعزيز انتشار المحتوى العربي وتطوير أدوات تعلم اللغة وتعليمها.
دعم
وأوضح أن استضافة الشارقة للمركز التربوي للغة العربية لدول الخليج تمثل أحد أبرز أوجه الدعم الإماراتي للعمل اللغوي الخليجي المشترك، مثمناً الرعاية التي يحظى بها المركز من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ودور وزارة التربية والتعليم في دعم البرامج والمبادرات التربوية والعلمية.
وأكد أهمية تطوير مناهج اللغة العربية، ورفع الكفايات المهنية للمعلمين، وتعزيز البحث العلمي والشراكات بين المؤسسات التعليمية والثقافية، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على استخدام لغتها بكفاءة في التعليم والحياة اليومية، ويعزز قدرة العربية على مواكبة التحولات الرقمية والتطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

