«7 أكتوبر».. فلسطين تدفع أثمان الحسابات الخاطئة

غزة تعيش مرحلة الدمار ولا أفق لإعادة الإعمار
غزة تعيش مرحلة الدمار ولا أفق لإعادة الإعمار
الغالبية العظمى من أهالي غزة يعيشون في الخيام أو المآوي المؤقتة
الغالبية العظمى من أهالي غزة يعيشون في الخيام أو المآوي المؤقتة

تحل الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر، ولا تبدو غزة أمام نهاية واضحة للحرب بقدر ما تقف عند هدنة هشة تحاول منع انهيار كامل للمشهد.

حيث بقيت ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح الفصائل ونشر قوة الاستقرار الدولية عالقة في مرحلة التنفيذ.

ولا شك أن حركة «حماس» التي أشعلت الشرارة وخطفت القرار الفلسطيني بمغامرة غير محسوبة حكمها المنطق الفصائلي بعيداً عن منطق الدولة والمصلحة الوطنية، تتحمل اليوم جزءاً كبيراً من مسؤولية منح إسرائيل الفرصة لتدمير غزة، والمضي في سياستها التوسعية والتدميرية تجاه الضفة الغربية أيضاً متذرعة بهجوم السابع من أكتوبر.

كما أن عدم حل عقدة «نزع السلاح» ما زالت عقبة في طريق إعادة إعمار غزة، وأعطى فرصة لإسرائيل لاستمرار العمليات العسكرية والسيطرة على المعابر، وآليات إدخال مواد البناء، كلها عوامل تعرقل الإعمار أيضاً.

تكشف أحدث الإحصاءات بعد ثلاثة أعوام على حرب غزة عن حجم واسع للضحايا والدمار، مع تجاوز عدد القتلى في غزة 74 ألفاً والمصابين 175 ألفاً، وتضرر أكثر من 200 ألف مبنى.

أصبح سكان غزة عملياً هم الذين يدفعون ثمن القرار السياسي والعسكري لـ «حماس».

إذ أن المشكلة الأكثر عمقاً في غزة هي اختطاف الحركة للقرار الوطني الفلسطيني منذ العام 2007 عندما انقلبت على السلطة الفلسطينية أولاً، ثم قرارها المنفرد والبعيد عن المصلحة الوطنية والمتمثل في عملية 7 أكتوبر 2023، والتي جعلت الشعب الفلسطيني وحياته رهينة لدى الحركة وما تراه من قرارات تصب في مصلحتها وبقائها بعيداً عن مصلحة المجتمع الفلسطيني الذي يئن تحت حراب إسرائيل.

النتيجة أن «حماس» هي من قررت الحرب، بينما يتحمل المجتمع الفلسطيني وحده مغامراتها غير المحسوبة، فغزة تحتاج بعد الحرب إلى قرار فلسطيني واضح يقول إن الأولوية الآن هي إعادة بناء البيوت والمستشفيات والمدارس والاقتصاد، وإعادة الحياة إلى أكثر من مليوني فلسطيني.

لكن استمرار الخلاف حول السلاح ودور «حماس» ومستقبل حكم القطاع أضاع فرصة إعادة الإعمار بعدما وضعت الحركة بقاءها وسلاحها في مقدم الأولويات.

خطة السلام المطروحة حالياً تربط بصورة مباشرة بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

ووفق التطورات الأخيرة، ما زالت المفاوضات متعثرة تحديداً عند هذه النقطة، حيث تصر إسرائيل على نزع السلاح قبل الانسحاب الكامل.

لذلك فهناك حقائق ثابتة؛ لا يوجد انسحاب إسرائيلي كامل من دون معالجة السلاح، ولا إعادة إعمار واسعة من دون أمن واستقرار، ولا يوجد استقرار حقيقي طالما بقيت احتمالات عودة الحرب قائمة.

المعادلة الأكثر دقة هي أن الفصائل بيدها إنهاء الأزمة التي تعرقل الإعمار، حيث تتذرع إسرائيل بالسلاح لعدم الانسحاب أو إعادة الإعمار وفتح المعابر.

لذا انتقلت المعركة إلى طرح سياسي مفاده، من يحكم غزة بعد الحرب، فإذا بقيت «حماس» صاحبة القرار العسكري والسياسي، فسيكون من الصعب إقناع الأطراف الدولية بأن أموال الإعمار ستذهب إلى بناء مستقبل مستقر، لا إلى إعادة إنتاج البنية العسكرية التي قادت إلى الحرب.

التقديرات الدولية تتحدث عن 71.4 مليار دولار لإعادة البناء، وعن تراجع التنمية البشرية في غزة بنحو 77 عاماً.

كما أن الاقتصاد انكمش بصورة كارثية، وتعرضت قطاعات السكن والصحة والتعليم والزراعة والتجارة إلى أضرار هائلة.

كل ذلك يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل الأولوية هي استمرار امتلاك السلاح، أم استعادة حياة أهالي القطاع؟

وهذه هي النقطة السياسية الأكثر حساسية؛ غزة تحتاج إلى بيئة مختلفة: سلطة فلسطينية وليس فصائل مسلحة، إدارة مدنية موثوقة، أمن مستقر، آلية واضحة لإدخال الأموال والمواد، وضمانات تمنع تحول الإعمار إلى جولة جديدة من الحرب.

نزع السلاح

ويرى محللون أن استمرار الخروقات يعكس معادلة أمنية لم تتغير جذرياً؛ فإسرائيل لا تزال تربط استكمال الانسحاب ونهاية العمليات بضمانات أمنية ونزع سلاح «حماس»، بينما ترى الحركة أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والضربات يقوض أساس الاتفاق ويجعل الانتقال إلى المرحلة السياسية أكثر صعوبة.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن نزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى لم ينفذ بعد، وأن الترتيبات الانتقالية التي نص عليها القرار 2803 لم تبدأ عملها داخل غزة بالصورة المطلوبة.

وتكمن المعضلة الأخرى في أن آليات الوساطة والضمانات الدولية نجحت في منع العودة إلى حرب شاملة، لكنها لم تمتلك بعد أدوات كافية لتحويل الخروقات الإسرائيلية اليومية إلى كلفة سياسية وأمنية رادعة.

ويشير محللون إلى أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة، والقيود على الحركة والمساعدات، بالتوازي مع عدم اكتمال ترتيبات الإدارة الانتقالية، يبقيان أسباب الصراع الأساسية قائمة.

وتفيد تقارير أممية بأن نحو ثلثي غزة ظل خاضعاً لقيود وصول شديدة، بينما بقيت عملية التعافي وإعادة الإعمار دون المستوى المطلوب.

لذلك، يؤكد المحللون أن الخطر الحقيقي في الذكرى الثالثة ليس مجرد تكرار الغارات، بل تحول 7 أكتوبر إلى دورة زمنية للصراع: ذكرى تستدعي ذاكرة الحرب، وتهدئة تعقبها خروقات، ثم ضغوط عسكرية وسياسية تجبر الفصائل المسلحة على الانصياع للقرارات الدولية.

ويرون أن كسر هذه الحلقة يتطلب الانتقال من إدارة وقف النار إلى فرض تنفيذه، وربط إعادة الإعمار بمسار سياسي واضح يقود إلى توحيد الإدارة الفلسطينية دون الفصائل التي تتاجر بالقضية، وقيام أفق حقيقي لحل الدولتين؛ وإلا ستظل التهدئة مجرد استراحة بين جولات حرب، لا بوابة لنهايتها.

استمرار التصعيد

إلى ذلك، ترى الدكتورة أماني القرم، الباحثة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية، أن خروقات إسرائيل المستمرة تعكس توظيف غزة كورقة سياسية وأمنية داخل إسرائيل، معتبرة أن أحداث 7 أكتوبر منحت الحكومة الأكثر تشدداً ذريعة لتوسيع العمليات العسكرية وتكريس مشروعها التوسعي.

وتوضح أن وجود اتفاق لوقف إطلاق النار وإطار سياسي للتهدئة لا يكفي في ظل غياب آليات رقابة وإنفاذ صارمة قادرة على ردع الخروقات، ما أبقى القصف والغارات مستمرة، في وقت يتركز فيه السكان والنازحون في مساحة ضيقة من القطاع، فتكون الكلفة البشرية باهظة.

وترى القرم أن الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية تلعب دوراً رئيسياً في استمرار التصعيد، إذ تشكل غزة ورقة انتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو وحلفائه من اليمين المتشدد، من خلال تقديم استمرار الحرب باعتباره ضمانة للأمن ومنع إنهاء المواجهة.

وتخلص إلى أن هذه الخروقات تفرغ التهدئة من مضمونها، وتؤجل الانتقال إلى مسار سياسي، بينما تبقى غزة عالقة في دائرة الحرب ويواصل الفلسطينيون دفع الكلفة الأكبر.

دوامة متواصلة

من جهته، يرى السفير الفلسطيني السابق لدى القاهرة الدكتور بركات الفرا، أن ذكرى السابع من أكتوبر تحولت إلى محطة «مريرة وقاسية ومؤلمة ومفجعة»، بعدما دخل قطاع غزة منذ ذلك التاريخ في دوامة متواصلة من القتل والدمار والخراب والتجويع، لافتاً إلى أن معاناة الفلسطينيين لم تتوقف، رغم مرور ثلاث سنوات ووجود اتفاقات وترتيبات دولية يفترض أن تقود إلى وقف الحرب.

ويقول الفرا إن المشهد الإنساني في القطاع بلغ مستويات كارثية، مع استمرار استهداف البنية التحتية وقصف المستشفيات والمنازل، واتساع رقعة الدمار، حتى باتت أجزاء واسعة من غزة غير صالحة للحياة، بينما يعيش آلاف الفلسطينيين في خيام متهالكة أو داخل مبانٍ آيلة للسقوط.

ويؤكد أن استمرار الاعتداءات اليومية يجعل الحديث عن حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي واتفاقات التهدئة منفصلاً عن الواقع الميداني.

ويضيف أن عدم احترام إسرائيل للاتفاقات والقرارات الدولية يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى الترتيبات السياسية إذا لم تقترن بآليات حقيقية لضمان التنفيذ والمساءلة، معتبراً أن استمرار العمليات العسكرية رغم وجود أطر للتهدئة يفرغ الاتفاقات من مضمونها ويجعلها، في نظر الفلسطينيين، «بلا جدوى وبلا معنى».

ويذهب الفرا إلى أن التجربة خلال السنوات الثلاث الماضية عمقت القناعة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن إسرائيل لم تعد تقدم دليلاً عملياً على استعدادها للانخراط في تسوية حقيقية، قائلاً إن ما جرى جعل «الحديث عن السلام أقرب إلى وهم وخيال» في ظل استمرار الاعتداءات والتوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية والقدس، فضلاً عن رفض «حماس» نزع سلاحها.

ويحذر من أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل سيعيد إنتاج أسبابه ويزيد من احتمالات انفجاره على نحو متكرر، مؤكداً أن السلام لا يمكن أن يتحقق عبر إدارة الأزمة أو فرض الوقائع بالقوة، وإنما من خلال معالجة جذور القضية الفلسطينية، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة.