نموذج فريد من التعاون الأخوي انتقل من الدعم التأسيسي إلى الشراكة المؤسسية
جهود الكويت تركزت قبل قيام الاتحاد على إرسال المعلمين وتوفير الخبرات التعليمية
لم تكن العلاقات الأخوية المتينة التي تربط دولة الإمارات ودولة الكويت الشقيقة وليدة مواقف عابرة، بل قامت منذ بداياتها على رؤية إنسانية وتنموية مشتركة، كان التعليم في قلبها وأحد أبرز عناوينها، فمنذ منتصف القرن الماضي، شكل التعليم أحد أهم جسور التواصل والتعاون بين البلدين، حيث التقت الإرادة الإماراتية في بناء الإنسان مع الدور الكويتي الداعم للمعرفة ونشر التعليم الحديث في الخليج العربي، في مرحلة كانت فيها المنطقة بحاجة إلى تأسيس بنية تعليمية منظمة تمهد لمسيرة التنمية الشاملة.
وشهد قطاع التعليم بين البلدين نموذجاً فريداً من التعاون الأخوي، انتقل من الدعم التأسيسي إلى الشراكة المؤسسية، ومن المبادرات الفردية إلى العمل الخليجي المشترك، بما أسهم في بناء القاعدة المعرفية الأولى في الإمارات، وفي الوقت نفسه عزز حضور التعليم كمشروع تنموي استراتيجي في الخليج العربي.
وتركزت جهود دولة الكويت قبل قيام الاتحاد على إرسال المعلمين وتوفير الخبرات التعليمية، ومد جسور التعاون الثقافي والمعرفي، في وقت كان التعليم النظامي الحديث لا يزال في بداياته الأولى داخل الإمارات.
محطة مفصلية
ويشير تاريخ التعليم في دولة الإمارات إلى أن عام 1953 شكل محطة مفصلية في مسيرة التعليم، إذ شهد انطلاق التعليم النظامي الحديث في إمارة الشارقة مع افتتاح المدرسة القاسمية، التي أنشئت عند وصول أول بعثة تعليمية من دولة الكويت الشقيقة، ومثلت المدرسة القاسمية باكورة التعليم المنظم، وعكست تحولاً نوعياً من التعليم التقليدي القائم على الكتاتيب إلى التعليم المدرسي الحديث القائم على المناهج الدراسية والصفوف والتنظيم الأكاديمي، ولم تكن المدرسة القاسمية مؤسسة تعليمية محلية محدودة النطاق، بل استقبلت طلاباً من كل الإمارات، ما جعلها مركزاً تعليمياً إقليمياً في تلك المرحلة، وأكد مبكراً دور التعليم كجسر للتواصل والتكامل بين أبناء المنطقة.
وخلال الفترة الممتدة من 1953 إلى 1971، شهد التعليم النظامي في الإمارات مراحل تطور متتابعة، كان لدولة الكويت فيها دور محوري عبر إرسال البعثات التعليمية، وتوفير المناهج الدراسية، وتنظيم مراحل التعليم من الابتدائي إلى المتوسط ثم الثانوي، إلى جانب الإسهام في تنظيم امتحانات الثانوية العامة وغيرها من الجوانب التعليمية، ما أسهم في ترسيخ أسس التعليم الحديث قبل قيام الاتحاد.
تطوير مناهج
وفي عام 1956، شهدت إمارة دبي تطوراً ملحوظاً في التعليم شبه النظامي مع وصول بعثة تعليمية كويتية أسهمت في تطوير المناهج الدراسية في المدرسة الأحمدية، التي كانت قد تأسست عام 1912 كأول مدرسة أهلية في دبي، وعملت البعثة على تحديث المحتوى التعليمي، وإدخال مواد جديدة مثل العلوم والرياضيات والجغرافيا، ما أسهم في نقل العملية التعليمية إلى مستوى أكثر تنظيماً وحداثة، وربطها بأسس التعليم المعاصر.
وفي عام 1962، واصلت دولة الكويت دعمها لمسيرة التعليم في الإمارات من خلال الإسهام في افتتاح مدرسة أسماء الابتدائية في إمارة الشارقة، في خطوة عكست اتساع نطاق الدعم التعليمي الكويتي ليشمل تعليم البنات، وشكلت نقلة نوعية في مسار التعليم الشامل، ورسخت مبدأ إتاحة التعليم لمختلف فئات المجتمع ضمن رؤية تنموية سبقت عصرها في المنطقة.
وخلال الخمسينات والستينات، قدمت دولة الكويت دعماً متواصلاً لتطوير التعليم في الإمارات، تمثل في بناء مدارس جديدة، وإرسال بعثات تعليمية متعاقبة، ودعم المدارس الابتدائية في أكثر من إمارة، وشمل هذا الدعم مدارس بارزة أسهمت في ترسيخ التعليم النظامي وتوسيع رقعته الجغرافية في مختلف إمارات الدولة.
وقد أسفرت هذه الجهود عن نتائج ملموسة، تمثلت في تأسيس بنية تعليمية قوية في الإمارات، كان للخبرات الكويتية دور واضح في وضع لبناتها الأولى، ومهدت الطريق لقيام منظومة تعليمية وطنية متكاملة بعد إعلان الاتحاد، وأسهم هذا الإرث التعليمي في إعداد كوادر بشرية مؤهلة، شاركت لاحقا في بناء مؤسسات الدولة وتطوير قطاعاتها المختلفة، كما عزز هذا التعاون المبكر الروابط الثقافية والاجتماعية بين الشعبين الإماراتي والكويتي، وعكس عمق العلاقات الأخوية التي تجاوزت حدود التعاون الرسمي، لتتحول إلى شراكة مجتمعية وثقافية طويلة الأمد امتدت آثارها إلى مختلف مجالات التنمية.
وعلى مستوى أوسع، ساعدت هذه الجهود في تطوير المشهد التعليمي الخليجي بشكل عام، وترسيخ مفهوم التعليم كمشروع تنموي استراتيجي، لا كمجرد خدمة اجتماعية، وهو ما انعكس لاحقا في السياسات التعليمية لدول مجلس التعاون وتوجهاتها نحو الاستثمار في الإنسان والمعرفة.
استقلال مؤسسي
ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، دخل التعليم مرحلة جديدة اتسمت بالاستقلال المؤسسي، وبناء منظومة تعليمية وطنية شاملة تستند إلى رؤية واضحة وسياسات اتحادية موحدة، وفي هذه المرحلة، انتقلت العلاقة التعليمية مع دولة الكويت من إطار الدعم التأسيسي المرتبط بمرحلة ما قبل الاتحاد إلى إطار الشراكة والتعاون القائم على تبادل الخبرات وتنسيق المواقف والعمل المشترك في المحافل الخليجية والعربية.
وشكل التعاون في قطاع التربية والتعليم إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية بين البلدين خلال العقود الماضية، وكان له أثر كبير في توطيد أواصر الأخوة بين مختلف فئات المجتمعين الإماراتي والكويتي، وتعزيز العمل الخليجي المشترك في مجال التعليم بما يخدم أهداف التنمية المستدامة ويواكب تطلعات الأجيال القادمة.
اليوم، تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من الدول الرائدة إقليميا في قطاع التعليم، بعد مسيرة تطوير متواصلة اعتمدت على التخطيط طويل المدى، والاستثمار المستدام في الإنسان، وتحديث السياسات التعليمية بما يواكب المتغيرات العالمية وقد نجحت الدولة في الانتقال بالتعليم من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التميز، من خلال بناء منظومة تعليمية شاملة تجمع بين التعليم الحكومي المتطور، والتعليم الخاص المنظم، والتعليم العالي المرتبط بالبحث العلمي والابتكار.
وتبرز ريادة الإمارات التعليمية في قدرتها على استقطاب نماذج تعليمية عالمية متنوعة، وتطبيق معايير جودة ورقابة دقيقة، إلى جانب دمج التكنولوجيا والتحول الرقمي في العملية التعليمية.
كما ركزت الدولة على تطوير المناهج وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، وربط التعليم بسوق العمل والاقتصاد المعرفي، بما أسهم في تخريج أجيال قادرة على المنافسة محليا وعالميا، ومواكبة متطلبات التنمية المستدامة.
ولم تقتصر هذه الريادة على البنية التعليمية فقط، بل امتدت إلى السياسات والاستراتيجيات الوطنية التي وضعت التعليم في صدارة الأولويات، وجعلته محركا أساسيا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ونتيجة لذلك، أصبحت الإمارات اليوم واحدة من الدول التي يُنظر إليها كنموذج إقليمي في تطوير التعليم، والاستثمار في رأس المال البشري، وبناء مستقبل قائم على المعرفة والابتكار.
لجان مشتركة
واعتمدت الدولتان مؤخراً برنامجاً تنفيذياً للتعاون التربوي، ضمن أعمال اللجنة المشتركة بين البلدين، ويكتسب هذا البرنامج أهمية خاصة كونه ينقل التعاون من مستوى النوايا العامة إلى مستوى التخطيط الزمني وخارطة العمل، بما يتيح للجهات التعليمية في البلدين العمل وفق أطر واضحة، وتحديد أولويات التعاون، ومتابعة مراحل التنفيذ بصورة منهجية.
ويمثل البرنامج التنفيذي للتعاون التربوي خطوة متقدمة في مسار العلاقات التعليمية، إذ يضع التعليم في صدارة الملفات الثنائية، ويؤكد أن التعاون في هذا القطاع لم يعد مبنيا على المبادرات الظرفية، بل على رؤية طويلة المدى تستهدف تطوير التعليم ورفع جودته، وتعزيز تبادل الخبرات، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في البلدين.
مذكرات تفاهم
وشهدت العلاقات الإماراتية الكويتية توقيع مذكرات تفاهم متعددة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، كان من بينها مذكرة تفاهم في المجال التربوي والتعليمي. وأكدت التغطيات الرسمية أن هذه المذكرات تأتي استكمالا لمسار التعاون القائم، وتهدف إلى توسيع مجالات الشراكة، وتفعيل البرامج التعليمية المشتركة، وتوفير أطر عمل مرنة للتنسيق بين المؤسسات التعليمية في البلدين.
ولا تقف هذه الشراكة عند حدود التوقيع، بل تمت ترجمتها عمليا من خلال عقد اجتماعات متابعة دورية، بحثت آليات تطوير التعاون التعليمي، وتفعيل الاتفاقات القائمة، وتوسيع نطاق البرامج المشتركة، ويعكس هذا النهج حرص الجانبين على الانتقال من مرحلة الاتفاقات إلى مرحلة التنفيذ، وضمان تحقيق أثر ملموس على مستوى السياسات التعليمية والممارسات التربوية.
وتبرز قوة هذا النموذج في أن دولة الإمارات تقود تطوير منظومتها التعليمية الداخلية وفق رؤى وطنية واضحة، وفي الوقت ذاته تبني شراكات خليجية فاعلة تقوم على تبادل الخبرات، وتوحيد المفاهيم، والاستفادة المتبادلة من التجارب الناجحة. ويجسد هذا التوازن نموذج الدولة الرائدة التي تطور الداخل وتفتح آفاق التعاون الخارجي في آن واحد.
التعليم العالي
ويمتد التعاون كذلك إلى التعليم العالي، من خلال تبادل الخبرات في مجالات الجودة والاعتماد الأكاديمي، وتعزيز الحوار حول مواءمة البرامج وتسهيل مسارات الاعتراف، بما يدعم حركة الطلبة والبرامج الأكاديمية ضمن الأطر الرسمية المعتمدة.
وبرمت الإمارات والكويت العديد من الاتفاقيات الثنائية في مجال الثقافة والتربية والتعليم، بغرض تبادل الخبرات وتطوير التعاون المشترك بما يصب في مصلحة كلا البلدين، وفي عام 2024 بلغ عدد الطلبة الكويتيين الذين يدرسون في الجامعات الإماراتية 1240 طالباً، وقد أصدرت الكويت مؤخراً قرارات شجعت الطلبة أكثر على الدراسة في الإمارات، ما سيسهم في تعزيز التعاون في مجال التعليم.
