أمن الممرات البحرية حاضر بقوة في أجندة المنتدى
الخليج يوسّع خياراته ويعيد رسم موازين القوة والشراكات
في ظل منعطف أمني وسياسي واقتصادي بالغ الحساسية تشهده منطقة الخليج، تنطلق غداً الاثنين في أبوظبي فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى هيلي 2026»، ويستمر يومين في منتجع سانت ريجيس جزيرة السعديات، تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار».
يأتي انعقاد المنتدى في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة تفرض إعادة النظر في العديد من المفاهيم المرتبطة بالأمن والاستقرار والاقتصاد والعلاقات الدولية، وسط تنامي التنافس بين القوى الكبرى وتغير خريطة الشراكات الاستراتيجية.
المنتدى الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالتعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، يشارك فيه أكثر من 55 متحدثاً ونحو 1000 مشارك من 35 دولة، يمثلون نخبة من المسؤولين وصناع القرار والدبلوماسيين والأكاديميين والخبراء، إلى جانب ممثلي المؤسسات الدولية ومراكز البحث وقطاع الأعمال.
ويطرح المنتدى نقاشاً متعدد الأبعاد حول مستقبل الخليج، من خلال بحث تداعيات الصراعات والتحولات الجيوسياسية، ومستقبل الأمن الإقليمي، وتغير موازين القوى، فضلاً عن دور الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة في صياغة مستقبل المنطقة، بما يجعل المنتدى منصة مهمة لقراءة التحولات الراهنة واستشراف المسارات المحتملة للنظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة لكونها لا تعالج أزمة أمنية تقليدية محصورة جغرافياً، بل تواجه مشهداً معقداً تتشابك فيه التطورات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتداعياتها المباشرة على الملاحة عبر مضيق هرمز، ما أعاد طرح أسئلة ملحة تتصل بأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي العالمي.
دور فاعل للإمارات دولياً بحضورها السياسي والاقتصادي وشراكاتها المتنوعة
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل الأمن الخليجي
تنويع الشراكات والدبلوماسية والاقتصاد والقوة الذاتية تصنع نفوذاً خليجياً مستداماً
تراجع زمن الاصطفافات الصلبة والشراكات الحصرية تدريجياً لصالح نموذج أكثر مرونة وتعدداً
توظيف الخبرات في الطاقة لخدمة الاقتصاد الرقمي إحدى أبرز نقاط القوة الخليجية
إذ لم يعد مفهوم الأمن الخليجي مقصوراً على حماية الحدود والمنشآت التقليدية، بل بات يمتد ليحصن الموانئ التجارية، وناقلات النفط، وشبكات الاتصالات، ومرافق الطاقة، والأنظمة الرقمية التي يمكن أن تنتقل صدماتها من المجال العسكري إلى الأسواق في غضون ساعات.
هرمز يعيد تعريف أمن الطاقة
وتفرض المعطيات الجديدة على دول الخليج تسريع الاستثمار في البنية التحتية البديلة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، عبر تطوير خطوط الأنابيب، والموانئ، وشبكات النقل، ومخزونات الطاقة الاستراتيجية.
وبهذا، يتحول مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين مصادر الإنتاج إلى حماية المنظومة المتكاملة التي تشمل النقل، والتخزين، والتصدير، والوصول الآمن للأسواق.
اقتصاد الخليج والجغرافيا السياسية
وفي ظل توقعات اقتصادية استقرار أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل طوال 2026 بسبب مخاطر الإمدادات، يبرز التحدي الأكبر أمام الاقتصادات الخليجية في حماية معدلات النمو من الصدمات الجيوسياسية.
ويشمل ذلك تنويع الأسواق، وتعدد مسارات التجارة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل إمداد مرنة قادرة على امتصاص الأزمات وتجاوز اضطرابات النقل البحري، كما ظهر جلياً في لجوء شحنات الغاز الطبيعي المسال لعمليات النقل خارج المضيق.
صواريخ وتقنيات حديثة
ويعكس هذا المحور الدور المتنامي للطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبيانات في صياغة موازين القوة والردع.
وتكتسب حماية البنية الرقمية بعداً استراتيجياً ملحاً في ظل توثيق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة أثناء الأزمات، مما يجعل الأمن الرقمي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.
الإمارات.. نموذج رائد
ويحمل شعار المنتدى دلالة استراتيجية عميقة تتجاوز التوصيف التقليدي للأزمات؛ فبينما يطرح «تصحيح المسار» التساؤل الأهم حول شكل النظام الأمني المستقبلي القادر على التعامل مع الأزمات المتكررة، يؤكد أن المرحلة المقبلة تفرض مقاربة شاملة تدمج الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا في إطار استراتيجي واحد يمنح المنطقة قدرة أعلى على امتصاص الصدمات واستشراف ما بعد الصراع.
هذا التساؤل حملته «البيان» إلى مجموعة من الخبراء لمحاولة فهم التحولات الجذرية في المنطقة، وتجاوز حدود الأزمات الراهنة إلى قراءة شكل النظام الإقليمي المستقبلي.
معادلة الاستقرار
ويضع سنجر الدور الإماراتي في قلب معادلة الاستقرار الخليجي، معتبراً أبوظبي طرفاً فاعلاً بحضورها السياسي والاقتصادي وشراكاتها الدولية المتنوعة.
وتتيح قدرة الإمارات على المزج بين التحرك الدبلوماسي والانفتاح الاقتصادي والتكنولوجي هامشاً مؤثراً للتعامل مع التحولات الإقليمية، ولا سيما في مرحلة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع متطلبات التنمية المستدامة.
ويشدد على أن القوة العسكرية تظل ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، ما يتطلب معادلة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتنويع الشراكات، وتسريع مسار التنويع الاقتصادي، وتحويل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى أدوات تأثير استراتيجي حقيقية.
ويؤكد أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن بالتوازي مع تعزيز العلاقات مع بكين وقوى دولية أخرى، بما يحقق التوازن دون الإخلال باستقلال القرار الوطني، وهو نهج تبرع الإمارات في تجسيده لتعزيز جذب الاستثمارات التقنية والشركات العالمية الكبرى.
وتظل الإمارات مرشحة للعب دور ريادي في صياغة ملامح المرحلة المقبلة، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي وقدرتها الفريدة على التنسيق بين متطلبات الأمن والتنمية والتكنولوجيا.
فرصة تاريخية
ويؤكد بانافع أن أحد أهم التحولات التي ينبغي التوقف أمامها هو سقوط الحدود التقليدية بين التكنولوجيا والأمن والاقتصاد والطاقة.
وبالتالي، فإن حماية هذه المنظومة الرقمية وضمان استمرارها في أوقات الأزمات أصبحا جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن الوطني.
ويؤكد أن الدول الخليجية التي تمتلك خبرة وإمكانات هائلة في قطاع الطاقة، ومقدرات استثمارية ضخمة، وموقعاً جغرافياً يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، تستطيع أن تنتقل من كونها مركزاً عالمياً للطاقة التقليدية إلى لاعب رئيس في اقتصاد الطاقة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح المهاجمين قدرات أكبر على تنفيذ هجمات إلكترونية أكثر سرعة وتعقيداً، لكنه في المقابل يوفر أدوات متقدمة لاكتشاف تلك الهجمات والتنبؤ بها والتصدي لها.
ويرى بانافع أن بناء المرونة لا يعني أن تنتج دول الخليج كل احتياجاتها محلياً، وإنما أن تنوع مصادرها، وتبني شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وتطور قدراتها وكفاءاتها المحلية بما يقلل مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج.
ويكتسب الربط بين الطاقة والذكاء الاصطناعي أهمية خاصة؛ فمراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء وقدرات متطورة للتبريد والبنية التحتية.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أبرز نقاط القوة الخليجية، إذا ما نجحت المنطقة في توظيف خبرتها في الطاقة لخدمة اقتصادها الرقمي.
فالدول التي تمتلك التكنولوجيا من دون المعرفة والكفاءات ستظل في دائرة الاعتماد على الآخرين.
ويرى بانافع أن الإجابة ستتحدد بمدى قدرة دول الخليج على بناء منظومة تكنولوجية آمنة ومرنة ومستدامة، بالتوازي مع الاستثمار في الجامعات والبحث العلمي والكفاءات البشرية.
فامتلاك التكنولوجيا قد يمنح قوة مؤقتة، أما امتلاك المعرفة والقدرة على تطويرها وحمايتها، فهو ما يصنع النفوذ المستدام في الاقتصاد العالمي الجديد.
خيارات جديدة
وترى أن هذا المشهد يفرض على دول الخليج إدارة شبكة معقدة من العلاقات، بحيث لا تكون شراكتها مع قوة دولية على حساب شراكاتها الأخرى، وإنما توظف تعدد الخيارات لتعزيز مصالحها وهامش حركتها الاستراتيجية.
وتؤكد أن التحولات الاقتصادية باتت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن، بعدما اتسع مفهوم الأمن الوطني ليشمل الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتكنولوجيا.
ومن ثم، فإن حماية المصالح الخليجية لم تعد مسألة عسكرية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على بناء اقتصادات مرنة وتأمين احتياجاتها الحيوية وحماية بنيتها التكنولوجية والرقمية.
وتؤكد أن الدولة التي تمتلك قدرات دفاعية موثوقة تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وفي الوقت ذاته أكثر قوة في إدارة التفاوض والأزمات.
وتلفت إلى أن صعود الصين والهند يمثل أحد أبرز ملامح التحول في خريطة الشراكات الخليجية.
فالصين لم تعد مجرد مستورد رئيس للطاقة، وإنما أصبحت شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً واستثمارياً، فيما تزداد أهمية الهند والقوى الآسيوية في التجارة والاستثمار والبنية التحتية.
وترى أن هذا التعدد يمنح دول الخليج مساحة أكبر للمناورة، من دون أن يعني التخلي عن التحالفات التقليدية.
وترى أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة يضيفان بعداً جديداً لهذه المعادلة، إذ أصبحت حماية المنشآت الحيوية والبنية الرقمية والطاقة جزءاً من الأمن الوطني.
وفي المقابل، توفر هذه التقنيات فرصاً لبناء قطاعات اقتصادية جديدة وتعزيز القدرة التنافسية.
وتخلص الخمليشي إلى أن الرهان الخليجي في المرحلة المقبلة لن يكون على اختيار شريك دولي واحد، وإنما على القدرة على تعدد الشراكات، وبناء القوة الذاتية، والحفاظ على استقلالية القرار، بما يسمح لدول الخليج بأن تكون طرفاً فاعلاً في تشكيل النظام الإقليمي، لا مجرد طرف يتأثر بتحولاته.
تحدي الصدمات
ويؤكد أن أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها يتمثل في إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الخليجي، خصوصاً في ظل اضطرابات ممرات الملاحة والتجارة وتداعيات الصراعات الإقليمية والدولية.
ويرى أن بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة استراتيجية، تستند إلى ثلاثة محاور رئيسة.
ويؤكد أهمية تطوير مسارات تجارية بديلة، وتعزيز البنية التحتية البرية والبحرية، وتوطين الصناعات الأساسية، بما يضمن استمرار تدفق السلع الاستراتيجية والغذائية والدوائية خلال الأزمات.

