تشهد منظومة الأمن الجيوتكنولوجي العالمي تحولات هيكلية عميقة تتطلب مقاربات شجاعة وغير تقليدية لإعادة هندسة التحالفات. وفي هذا السياق، عقدت ضمن فعاليات اليوم الثاني من "منتدى هيلي" جلسة محورية بعنوان "منظومة أمن الخليج: أين تقف أوروبا؟"، استضافت لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، لتسليط الضوء على مستقبل الاستقرار الإقليمي، والتعاون الدفاعي، ومواجهة التهديدات الهجينة والسيبرانية في مرحلة فاصلة من تاريخ العلاقات المشتركة.
بوصلة التحالفات
حول مكانة أوروبا اليوم من الصراع الإقليمي القائم في المنطقة ودعمها للاستقرار، أكد لويجي دي مايو أن الاتحاد الأوروبي يقف منذ بداية هذه الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، بل وحتى خلال حرب الأيام الـ 12 عندما تعرضت قطر للهجوم، صفاً واحداً وبشكل حاسم إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي، موضحاً أن هذا الموقف الواضح ينطلق من حقيقة أن الجانبين لا يريدان لإيران امتلاك سلاح نووي وفي الوقت ذاته يريدان تحقيق هذا الهدف عبر اتفاق وحل دبلوماسي.
وأشار إلى أن شعوب ومواطني وحكومات الدول الأوروبية شعرت بالحاجة الملحة لدعم الأصدقاء الخليجيين إزاء الهجمات غير المبررة، مما خلق مساحات متزايدة للتعاون توجت بعقد أول اجتماع وزاري تاريخي بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي في الخامس من مارس، والذي أسس لبيان ختامي مشترك لا يقتصر على التضامن والإدانة بل يمتد للعمل الفعلي على الدبلوماسية والردع بقيادة إقليمية متصاعدة.
أولويات استراتيجية
وفيما يتعلق بأبرز الأولويات القصوى التي تركز عليها الشراكة الاستراتيجية الأوروبية الخليجية بعد شهور طويلة من التنسيق المكثف مع القيادات الخليجية ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أشار دي مايو إلى تطابق الرؤى في ثلاثة مسارات جوهرية؛ أولها "الدبلوماسية والتعاون متعدد الأطراف" من خلال دعم المبادرات القانونية والدولية مثل موقف البحرين لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وثانيها "الدفاع والأمن" عبر تعزيز التعاون الثنائي والزيارات القيادية رفيعة المستوى، وثالثها "الترابط البديل" لتطوير مسارات آمنة وبديلة للبيانات والطاقة والبضائع امتداداً لمشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) وشبكات الربط المتنوعة.
الأمن المشترك
وحول المعنى العملي لتصريح أن "أمن دول مجلس التعاون الخليجي هو أمن أوروبا"، أكد دي مايو أن هذا التوجه يعكس تشابهاً عميقاً في التحديات والوعي ببناء المرونة والدفاع والردع الذاتي؛ فبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، اضطرت أوروبا لإعادة ابتكار بنيتها التحتية الحرجة وتنويع مسارات تجارتها وطاقاتها تماماً كما تفعل دول الخليج.
وأوضح أن العلاقة مع الحليف الأمني الرئيسي (الولايات المتحدة) تطلب منا أن نكون أكثر استقلالية مع تطوير أدوات الردع بشكل مشترك، مبيناً أن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لم تعد مجرد تقنيات للتطوير بل أصبحت أدوات استراتيجية تتقاطع مع السياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يتجسد في مفاوضات اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع دولة الإمارات لهيكلة التعاون عبر طبقات متعددة.
معضلة طهران
وفيما يتعلق بقدرة أوروبا على الجمع بين دور المحاور الدبلوماسي مع إيران والشريك الأمني الموثوق للخليج، أكد دي مايو أن أوروبا قادرة على ذلك بشرط أساسي يتمثل في عدم تكرار تجارب الماضي القاضية بعقد صفقات فوق رؤوس دول المنطقة، مستحضراً فخر الاتحاد بما قدمه تاريخياً في مفاوضات الاتفاق النووي أو خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بتكليف من الطرفين.
وشدد على ضرورة استيعاب المطالب الخليجية بعدم إجراء أي مفاوضات بمعزل عنهم، ومؤكداً أن أي هندسة أمنية إقليمية يجب أن تحظى بدعم أوروبي كامل ولكن بقيادة من دول المنطقة نفسها، فالدرس المستفاد يؤكد أن غياب إشراك دول الخليج سيؤدي إلى رفض الاتفاق أو عدم فهم جدواه، مما يحتم خلق بنية أمنية إقليمية مستدامة بريادة خليجية.
منصة الثقة
وفيما يخص ما تتوقعه أوروبا من دول الخليج في ظل شبكة التعاون المؤسسي الحالية، أشار دي مايو إلى ما أُسس خلال السنوات الأخيرة عبر منصة التعاون المشترك والقمم التاريخية في بروكسل كقمة أكتوبر 2024 التي جمعت قادة الاتحاد الأوروبي والقيادات الست لدول المجلس، إلى جانب اجتماعات وزراء الخارجية المنتظمة أكثر من مرتين سنويًا.
وأوضح أن هذه المنصة أصبحت بمثابة بنية تحتية أو أساس جاهز ومهم للغاية للاستخدام في أوقات الأزمات، مشيراً إلى أن تقاطع مخاوف الطرفين تجاه إيران وأوكرانيا سيعزز هذه الشراكة بقوة مستقبلاً نظراً لحاجة الطرفين المشتركة للسلام والازدهار المتبادل.
حرية الملاحة
وحول الأسباب التي تجعل من حرية الملاحة في الممرات المائية خطاً أحمراً غير قابل للتفاوض، أكد دي مايو أن دول مجلس التعاون الخليجي تُعد شركاء طاقة استراتيجيين، لكن العلاقات تجاوزت هذا الجانب الضيق نحو إدراك استراتيجية المنطقة بأسرها وتداعيات تعطيل المضايق على الاقتصاد العالمي والسلع.
وأوضح أن الجانبين يرسلان رسالة مشتركة وحاسمة تفيد بأن حرية الملاحة وتطبيق القانون الدولي في مضيق هرمز أمران غير قابلين للتفاوض أو المساومة؛ محذراً من أن القبول بجعل الملاحة جزءاً من أي مساومة سيخلق سوابق خطيرة تمتد تهديداتها لتطال ملقا وتايوان وبقية شرايين التجارة العالمية، وهو هدف يتشاركه الجانبان بنسبة 100%.
رسالة هيلي
وختاماً، وفي معرض تلخيصه للرسالة الأبرز التي تنبض بها منصة منتدى هيلي، أكد دي مايو أن الملتقى يشكل البرهان الساطع على قدرة العمل المشترك والتعاون متعدد الأطراف على إحداث تغيير حقيقي وفارق جوهري. وشدد على قناعته الراسخة بأن اللبنات الأساسية التي أرساها الجانبان – دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء – خلال الأشهر الأخيرة، تمثل البوصلة الحقيقية والمسار الأمثل لصياغة مستقبل العلاقات الاستراتيجية، متطلعاً في الختام إلى القمة المرتقبة للقادة باعتبارها المحطة العليا والمظلة الأبرز لتتويج هذه الشراكة النوعية بمزيد من الإنجازات والنجاحات الاستراتيجية.

