العلاقات الإماراتية - الألمانية.. لماذا ترتقي إلى معادلة الربح الصافي؟

تأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" اليوم إلى مدينة برلين في "زيارة دولة" إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في توقيت يجعل منها نقطة انتقال في العلاقات الإماراتية–الألمانية، تتجاوز دلالتها البروتوكولية الرفيعة إلى فتح مرحلة جديدة في الشراكة بين البلدين، عنوانها الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا.

وترتبط أهمية الزيارة الحالية كونها مدعمة بمجموعة من العوامل الجديدة التي تؤهل لدفع العلاقات بين البلدين لمرحلة أعلى وأكثر عمقاً، ويمكن إيجازها في ما يلي:

سعي برلين إلى تنويع شركائها في الاقتصاد والطاقة

تحول الإمارات إلى مستثمر صناعي وتكنولوجي عالمي

دخول الإمارات في دائرة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

بدء مفاوضات التجارة الحرة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي

النماذج الناجحة للشراكات الاقتصادية لدولة الإمارات عالمياً

ألمانيا تبحث عن الاستثمار

تحتاج ألمانيا إلى استثمارات ضخمة لتحديث بنيتها الاقتصادية. وقد أنشأت الحكومة الألمانية صندوقاً خاصاً للبنية التحتية والتحول المناخي بحجم 500 مليار يورو على مدى 12 عاماً، يشمل النقل والرقمنة والبنية التحتية والمناخ، فيما تقول برلين بوضوح إنها تريد تعبئة استثمارات القطاع الخاص ورؤوس الأموال العالمية في البنية التحتية والتكنولوجيا والتحول الصناعي.

وتتطابق هذه الأولويات بصورة كبيرة مع القطاعات التي راكمت فيها الشركات والصناديق الإماراتية خبرة ورأس مال خلال السنوات الأخيرة.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس عبّر عن ذلك بوضوح خلال زيارته أبوظبي في فبراير الماضي، عندما تحدث عن «إمكانات كبيرة» للاستثمار في ألمانيا والاستثمارات الألمانية في المنطقة، واعتبر أن ألمانيا تحتاج إلى مثل هذه الشراكات أكثر من أي وقت مضى في ظل التحولات الدولية الراهنة.

تجارة تتجاوز 13.5 مليار يورو

اقتصادياً، تنطلق العلاقة من قاعدة كبيرة بالفعل. ووفق الأرقام الإماراتية الرسمية، تجاوز حجم التجارة الثنائية 13.56 مليار يورو خلال 2025، فيما ارتفعت واردات ألمانيا من الإمارات بأكثر من 50% خلال العام نفسه. كما تعمل في السوق الإماراتية نحو 2,000 شركة ألمانية، يستخدم عدد كبير منها الإمارات مركزاً للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.

لكن الصورة التجارية التقليدية لا تعكس وحدها التحول الجاري في العلاقة. فالإمارات أصبحت فاعلاً كؤثراً داخل الاقتصاد الصناعي الألماني نفسه، وليس سوقاً للمنتجات الألمانية فقط.

صفقة «كوفيسترو»

أوضح مثال على هذا التحول هو استحواذ شركة «XRG»، منصة الاستثمارات الدولية التابعة لـ«أدنوك»، على شركة «كوفيسترو» الألمانية، إحدى كبرى الشركات العالمية في صناعة البوليمرات والمواد المتقدمة. اكتملت الصفقة في ديسمبر 2025 بقيمة إجمالية بلغت نحو 14.7 مليار يورو، بما يشمل الديون. وللمقارنة، تتجاوز قيمة الصفقة وحدها إجمالي تجارة السلع بين الإمارات وألمانيا خلال سنة كاملة.

وبعد إتمام الصفقة، ضخت «XRG» أيضاً 1.17 مليار يورو عبر زيادة في رأس مال «كوفيسترو» لدعم ميزانيتها وخطط نموها.

وفي قطاع صناعي آخر، تستثمر «الإمارات العالمية للألمنيوم» نحو 145 مليون يورو في منشأة جديدة لإعادة تدوير الألمنيوم في ولاية ساكسونيا السفلى قرب هانوفر. ومن المتوقع بدء الإنتاج في 2028.

وتكتسب هذه الصفقة أهمية إضافية لأنها تقع في قطاع يحظى بأولوية ألمانية وأوروبية متزايدة: الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير وتقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة.

الممرات اللوجستية والطاقة

امتد الحضور الإماراتي أيضاً إلى الخدمات اللوجستية. ففي مايو 2026 وقعت مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقاً للاستحواذ على 100% من الأعمال الأساسية لشركة MBS Logistics الألمانية بقيمة مؤسسية تبلغ نحو 70 مليون يورو.

وسجلت الشركة الألمانية إيرادات بنحو 205 ملايين يورو في 2025، ولديها شبكة تمتد من ألمانيا ووسط أوروبا إلى الصين وفيتنام والولايات المتحدة. ومن المتوقع إغلاق الصفقة في الربع الأخير من 2026.

ويمثل الاستحواذ مدخلاً إلى الممرات التجارية في وسط أوروبا. وبالنسبة إلى ألمانيا، يربط الشركات الألمانية بصورة أوسع بالشبكات اللوجستية التي تطورها الإمارات بين أوروبا والخليج العربي وآسيا وأفريقيا.

في قطاع الطاقة أيضاً تتجه العلاقة إلى نموذج مختلف. ففي فبراير 2026 اتفقت «مصدر» وشركة «RWE» الألمانية على دراسة استثمارات في مشروعات بطاريات تخزين الطاقة داخل ألمانيا تصل قدرتها إلى 1 غيغاواط بحلول 2030، إضافة إلى دراسة تطوير مشروعات جديدة مشتركة تصل إلى 1 غيغاواط إضافي بحلول 2035.

وتربط «RWE» نفسها هذه الاستثمارات بحاجة ألمانيا إلى استقرار شبكة الكهرباء مع توسع الطاقة المتجددة، وكذلك بالطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات الجديدة.

وفي الغاز، توجد أيضاً عقود قائمة لتوريد نحو 1.6 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من مشروع الرويس إلى شركات ألمانية، فيما تدرس «أدنوك» و«RWE» إمدادات إضافية تصل إلى مليون طن سنوياً ولمدة تصل إلى 10 سنوات. وهذا يدعم هدف برلين في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مورد أو مسار واحد.

اقتصاد الذكاء الاصطناعي

التغير الآخر الذي يعزز فرص الشراكة هو تحول الإمارات نفسها في مجال الذكاء الاصطناعي. فالدولة بدأت في إنشاء بنية تحتية ضخمة للحوسبة وإنتاج قدرات الذكاء الاصطناعي، وعلاقات وثيقة مع كبرى الشركات الأمريكية والعالمية في هذا المجال.

ومن أبرز الأمثلة مشروع «ستارجيت الإمارات» في أبوظبي، وهو مجمع حوسبة بقدرة 1 غيغاواط ضمن مجمع أوسع للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 غيغاواط. كذلك تعد استثمارات الشركات الإماراتية في الولايات المتحدة، بقطاع التكنولوجيا، مثالاً ناجحاً على العوائد المضمونة للاستثمارات الإماراتية في التكنولوجيا المتقدمة.

هذه الخبرة تجعل التعاون الألماني–الإماراتي في الذكاء الاصطناعي أكثر جدوى وفائدة. فالجانب الإماراتي يمتلك رأس المال والبنية التحتية والخبرة التشغيلية والعلاقات مع أبرز شركات التكنولوجيا العالمية، بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية وبيانات صناعية ومراكز بحث وشركات هندسية يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي فيها إلى تطبيقات إنتاجية.

معادلة «الربح الصافي»

يضاف إلى ذلك متغير جديد على مستوى الاتحاد الأوروبي. ففي أبريل 2025 اتفقت الإمارات والاتحاد الأوروبي على إطلاق مفاوضات اتفاق تجارة حرة ثنائي، وبدأت المفاوضات رسمياً في 28 مايو من العام نفسه. وبحلول يلويو 2026 كانت المفاوضات قد وصلت إلى الجولة السابعة.

وتشمل المفاوضات السلع والخدمات والاستثمار والتجارة الرقمية والطاقة والمواد الخام والمشتريات الحكومية والملكية الفكرية.

وحين يتم استكمال المفاوضات وإعلان الاتفاق، فإن ألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، ستكون أحد أكبر المستفيدين منها، لأنها ستوفر إطاراً أكثر اتساعاً للاستثمارات والتجارة الإماراتية–الألمانية.

من زاوية المصالح الاقتصادية الألمانية، يمكن وصف الشراكة مع الإمارات بأنها تقترب من معادلة «الربح الصافي».

في النتيجة، تتحرك العلاقات الإماراتية–الألمانية وفق هذه المؤشرات، من معادلة قديمة يمكن اختصارها بـ«ألمانيا تبيع والإمارات تشتري»، إلى معادلة جديدة: «استثمارات متبادلة وشراكة صناعية وتكنولوجية». وإذا تحولت التفاهمات الجديدة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والاستثمار إلى مشروعات تنفيذية، يمكن أن تؤسس مرحلة ثانية من الشراكة الإماراتية–الألمانية، يكون الاستثمار والتكنولوجيا عنوانها الأبرز أكثر من التجارة التقليدية.